بين النزوح التهجير

النزوح والتهجير:

يجب التمييز بين ظاهرتين تمتا في هذا المجال، النزوح الفردي، والتهجير الجماعي، أما عملية النزوح الفردي فهي التي نزحت فيها بعض العائلات الميسورة مادياً وذات الأصول المدنية من مدن (عكا، حيفا، يافا، الناصرة وصفد) وكان ذلك النزوح ناتجاً عن الأوضاع التي نشأت إثر الأعمال الإرهابية، والأوضاع الأمنية التي سادت في البلاد خلال الشهور التي سبقت إنهاء الانتداب الإنجليزي على فلسطين وقبل الإعلان الرسمي لقيام دولة الكيان الصهيوني  في الخامس عشر من أيار عام1948، وقد استقرّت هذه العائلات في المدن اللبنانية التي وصلت إليها.

أما ظاهرة التهجير الجماعي فقد تمت بعد إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني رسمياً، وقد تمت عملية الاقتلاع هذه في ظروف صعبة جداً، وبشكل قسري وتحت أزير الطائرات ودوي المدافع.  فبعد استكمال العصابات الصهيونية. لأهدافها الأولى والتي جردتها في 28 نيسان 1948 في عملية (يفتاح) والتي هاجمت فيها القرى المحيطة بمدينة صفد. قام اللواء السابع بعملية (حيرام) والتي سقطت على إثرها مدينة صفد في العاشر من أيار عام 1948. ودخلت العصابات الغازية المدينة في اليوم التالي وارتكبت مجموعة من الفظائع ضد الشيوخ والحوامل، وأشاعت مناخاً نفسياً من الرعب في نفوس الأهالي الآمنين مما اضطر بعض أهالي قرى قضاء صفد ومن ضمنهم أهالي قرية (علما) للنزوح المؤقت إلى بعض قرى لبنان الجنوبية. وبقي غالبية أهالي (علما) مدة ثلاثة أسابيع في قرية بنت جبيل، كانوا يعودون يومياً إلى بيوتهم في القرية. وبعد تلك الإقامة المؤقتة عادوا للإقامة في قريتهم وحصدوا ما تبقى من غلال حقولهم، وقطفوا ثمار الزيتون. في تلك الأثناء كانت العصابات الغازية تهاجم أطراف القرى ليلاً ونهاراً مستعملة جميع أنواع الأسلحة بما فيها سلاح المدفعية والطيران لإجبار الأهالي على إخلاء بيوتهم وأراضيهم. تحت وطأة تلك الفظائع والمجازر التي ارتكبتها هذه العصابات ولما استنفذ الأهالي كل وسائلهم للدفاع، اضطر أهالي قرية (علما) ومعظم قرى قضاء صفد للنزوح عن قراهم، وتم إجلاء أهالي قرية (علما) عن بيوتهم وأراضيهم يوم الجمعة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1948، أي بعد لم إعلان قيام الكيان الغاصب بأكثر من ستة أشهر.

وببراءة العجائز وصدقها المتناهي، روت لي جدتي تلك الحادثة الرهيبة قائلة: "عندما نجونا بأرواحنا ووصلنا إلى بنت جبيل، وجدنا هناك مجموعة من المهاجرين الأرمن. وسألونا إلى أين ؟ نخشى أن يصيبكم ما أصابنا؟ فرددنا عليهم: فال الله ولا فالكم، سنعود إلي أرضنا بعد ثلاثة أسابيع كما عدنا أول مرة".

أما الحاج خالد هجاج والذي كان وقتها في ريعان شبابه فيروي لنا الحادثة قائلاً: «بعد انسحاب جيش الإنقاذ، وعندما سمعنا أن اليهود يقومون بهتك الأعراض وقتل الشيوخ والنساء دونما تمييز قررنا الرحيل مشياً على الأقدام خاصة وأن السلاح الذي كان بين أيدينا ضئيل، ولا نستطيع أن نردع به الأعداء الذين كانوا مدعومين من الإنجليز. توجهنا إلى قرية بنت جبيل نطراً لقربها. كنا عائلتين مؤلفتين من خمسة أفراد ووالدتي. واستطاع أخي أن يقود أمامه قطيعاً من الماشية، حوالي مئة رأس من الماعز والغنم، بالإضافة إلى حوالي اثنتي عشرة بقرة، وبقينا في قرية بنت جبيل حوالي أسبوع فقط. لعدم توفر الماء والمرعى قررنا بعدها التوجه إلى الزرارية حيث الأرض الواسعة متوقعين البقاء لأسبوعين أو ثلاثة على أمل العودة إلى بيوتنا

وأرضنا.

وهكذا وقبل انتهاء عام 1948 وبعد أكثر من ستة أشهر على إعلان إقامة الكيان المصطنع فوق تراب فلسطين المقدس تم اقتلاع جميع أهالي قرى الجليل وارتكبت مجزرة الصفصاف التي راح ضحيتها أكثر من مئة شهيد، ومجزرة صلحا والتي راح ضحيتها نفس العدد تقريبا بتاريخ 30/10/1948.

واكتملت هذه المأساة الإنسانية الرهيبة. وشكَل الرحيل الجماعي لهذا الشعب عن أرضه عبئاً ثقيلاً على البلدان التي رحل إليها أبناؤه ليصبحوا لاجئين في بلاد قليلة الموارد أصلاً.

للاشتراك في نشرة الاخبار