في اقطار اللجوء

في أقطار اللجوء:

عندما فرض التهجير على أبناء قرى الجليل عبر الكثيرون منهم بمن فيهم أهالي قرية(علما) الوديان والهضاب مشيا على أقدامهم أو على ظهور دوابهم ليصلوا إلى أقطار اللجوء. وقد اتجهوا بالفطرة حيث كانوا يظنون أنهم سيحلون ضيوفاً على إخوة لهم (خاصة وأنهم كانوا يظنون أن نزوحهم لن يدوم طويلاً).

وهكذا توجهوا إلى لبنان وقد انطبعت في أذهانهم صورة الشهيد محمد زغيب بطل معركة المالكية، الذي استشهد دفاعاً عن عروبة الجليل. كما أنهم لم ينسوا للحظة واحدة القائد فوزي القاوقجي الذي عاد ليقود فرقة جيش الإنقاذ في القطاع الأوسط من فلسطين.

لذا فقد توجه جميع أهالي قرية (علما) شمالاً عابرين الحدود إلى لبنان، فقد كانت تربطهم مع أبنائه صلات قربى وصداقة، ومصاهرة في قرى (بنت جبيل، قانا)» واستقر العديد منهم في هذه القرى لسنوات عديدة مفضلين البقاء على مرمى حجر من قريتهم، يكحلون أنظارهم برؤيتها كل صباح. وتوغل قسم آخر باتجاه قرى العرقوب والبقاع الغربي وكفرشوبا، السلطان يعقوب، وحمَارة) حيث كانوا يعتقدون بأن أجدادهم وفدوا من هناك كما عبر الباقون الحدود السورية ولنفس الأسباب. واستقبل أهالي القرى الجنوبية التي كانت المحطة الأولى للهجرة من فلسطين أهلنا بالترحاب، فقد كان بعضهم يتعامل مع هؤلاء القادمين يومياً أكثر مما كان يتعامل مع سكان مدينة بيروت أو طرابلس وقد استقبلوا بالترحاب أيضا من المسؤولين الرسميين في حينه. وعندما تبين للمجتمع العالمي الذي خلق هذا الكيان الغاصب، أن مسألة اللاجئين الفلسطينيين لن تحل سريعاً. اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار(302، د4) في 8 كانون أول 1949 والذي يقضي بإيجاد وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، حيث أنشأت مكتباً لها في بيروت وباشرت أعمالها في أيار 1950، ومع أنها اعتبرت وكالة مؤقتة في البداية فقد تم تجديد ولاية الأونروا بانتظام طيلة الفترة الماضية.

كيف تعامل أهالي القرية مع الواقع الجديد:

اضطر اللاجئون للتعامل مع (الأونروا) لأنها شكلت في المرحلة الأولى التي تلت عملية تهجيرهم المصدر الوحيد للحصول على أسباب العيش للغالبية الساحقة منهم. ذلك لأنها قامت بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية التي كانوا بحاجة ماسة إليها.

وقامت الأونروا بتوزيع خيم لغالبية اللاجئين الفلسطينيين بعد أن اتفقت مع الدولة المضيفة على أماكن إقامة تلك المخيمات. وقد تم إقامة هذه المخيمات حسب حاجة السوق والاقتصاد اللبناني، حيث أقيمت حول المدن الرئيسية ليؤمن اللاجئون اليد العاملة الرخيصة لأرباب

العمل.

وهكذا تجمع أبناء قرية (علما) في المخيمات التالية:

  • مخيم الرشيدية في الجنوب من مدينة صور.
  • مخيم تل الزعتر في الشرق من العاصمة بيروت.
  • مخيم نهر البارد في الشمال من مدينة طرابلس.
  • وبقيت بعض العائلات القليلة تسكن في القرى اللبنانية التي يتوفر العمل حولها (بنت جبيل، قانا، كفرشوبا والقرى المحاذية لفلسطين في المرحلة الأولى) (عدلون، الزرارية، الغازية) وسواها.
  • أما من اتجه من أبناء القرية إلى سوريا فقد اختاروا السكن في منطقة (ركن الدين) قرب العاصمة السورية دمشق، وانتقل بعضهم إلى ضواحي دمشق ومخيم اليرموك والى حمص.

في مخيمات الجنوب والقرى الجنوبية بدأ غالبية أبناء القرية بالعمل في المواسم الزراعية، حيث عمل الكثير منهم في إنشاء بساتين الموز والليمون وزراعة الخضار، وقد برز غالبيتهم في الأعمال الزراعية نتيجة للخبرة التي حملوها معهم في مجال العمل الزراعي، فقد كانوا يجيدون هذا النوع من الأعمال في أراضيهم قبل ترحيلهم. كما عمل العديد منهم في شق مشروع الليطاني للري الذي كان في بدايته عام1949. أما أبناء القرية الذين سكنوا في مخيم تل الزعتر فقد عمل غالبيتهم في المصانع التي تم إنشاؤها قرب المخيم. مصانع الكبريت، البلاستيك وغيرها واستطاعوا خلال فتر قصيرة أن يشكلوا قوة عمل رئيسية في تلك المصانع.

وعمل أبناء القرية الذين حلوا في مخيم نهر البارد في الأعمال الزراعية وإنشاء البساتين وزراعة الخضار وغيرها.

لقد كانت صدمة اللاجئين كبيرة ومؤلمة جداً في آن معاً. فقد نتج عن نكبة عام 1948 فقدان الشعب الفلسطيني بكل فئاته وشرائحه الاجتماعية لوطن كامل متكامل بأرضه ومؤسساته وبنيته الاقتصادية والثقافية، لكنهم سرعان ما استفاقوا من هول تلك الفاجعة الأليمة التي حلت بهم نتيجة لكل ذلك.

وعندما افتتحت (الأونروا) مدارسها اندفع أبناء الجيل الشاب من شعبنا للالتحاق بتلك المدارس. لقد اهتم الآباء كما اهتم الأبناء بالعلم لأن ذلك كان من شأنه تأمين مؤهلات أكاديمية ومهارات حرفية تمكنهم من الحصول على أعمال أفضل من الأعمال الزراعية وغيرها من الأعمال التي توفرت لهم أو التي وفرت لهم الدخل الكافي للعيش في مرحلة اللجوء الأولى. فقد كان همهم في تلك المرحلة التي تلت اللجوء مباشرة التخلص من الواقع المر الذي نتج عن النزوح عن أرض والوطن وعدم الاعتماد على معونة أحد أو تشكيل عبء على أي كان.

كان هدف (الأونروا) من إنشاء مدارسها في تلك المرحلة يتفق مع المخططات والمشاريع التي رسمتها لها الدوائر الاستعمارية في حينه، والذي كان يهدف لإبعاد اللاجئين عن التفكير بالعودة إلى أرض الوطن، ومحاولة دمجهم بالمجتمع الذي وفدوا إليه لتوطينهم لاحقاً حيث حلُّوا. لكن اللاجئين تصدوا لتلك الأهداف وكان الطلاب الفلسطينيون دوماً من المبرزين والأوائل، وبدأ قسم منهم وبعد إنهاء مرحلة الدراسة الثانوية بالعمل في سلك التدريس ليوفر لأسرته مدخولاً مادياً يمكنها من العيش في مستوى أفضل. وفي مرحلة لاحقة بدأ قسم من هؤلاء الخريجين من أبناء قرية (علما) يمارسون مهمة التعليم في مدارس الأنروا بعدما حصلوا على شهادات جامعية نذكر منهم : سليمان عجاوي- محمد القاسم- خالد العينة- عبدالكريم الحاج عبدالرحمن- محمود خليل مصطفى. كما اختار آخرون من هؤلاء السفر للعمل في دول الخليج في شركات المقاولات وشركات البترول التي استوعبت العديد من الكفاءات وكان من أوائل الذين سافروا من أبناء القرية إلى دول الخليج: عدنان درباس، عاطف عجاوي، محمود حسين عجاوي، عاطف أحمد سعيد، محمود شحادة الحاج خليل. وقد تمكن هؤلاء المسافرون بفضل عملهم الدؤوب من الوصول إلى مراكز هامة في الشركات التي عملوا فيها، ولحق بهم العديد من أبناء القرية للعمل هناك.

   لم يستكن أبناء شعبنا لهذا الواقع الجديد الذي فرضه عليهم المجتمع الدولي ولم يعتبروا أن هذا اللجوء نهائياً، بل كانوا دوماً يعتبرونه مؤقتاً وعملوا على هذا الأساس، وتم إعادة تشكيل الأحياء في مناطق التجمعات على أساس القرى والعائلة والمصاهرة. واستمر أهالي قرية (علما) كغيرهم من أبناء شعبنا بالتمسك بعاداتهم وتقاليدهم، ورفضوا مشاريع الدمج والتوطين التي كانت (الأونروا) تطلقها بين الحين والآخر كبالونات اختبار بالتنسيق مع دوائر الاستعمار التي كانت تصورها على أنها مشاريع إنسانية تهدف إلى حل مشكلتهم. واستطاع أبناء هذا الشعب أن يؤكدوا القدرة على البقاء واثبات الذات، ورغم البعد عن أرض الوطن تم تشكيل نواة مجتمع تحت الخيام وبيوت الصفيح التي كانوا يعيشون فيها، واستطاع الآباء أن يرسموا في أذهان أبنائهم صورة لذلك الوطن من خلال جراح أصيبوا بها وأحدثت عاهات في أجسادهم أو من خلال حكاية عن موقعة كان لهم شرف المشاركة فيها أو أقصوصة عن شهيد من أبناء القرية روى بدمائه تراب القرية مفضلاً أن يدفن  فيها بدل أن يغادرها لاجئاً. وهكذا تحرك الحنين إلى الأرض فبدونها لا يمكن لهذا المجتمع الاستمرار وتكررت محاولات التسلل إلى القرية في محاولة للبقاء أو الاستطلاع لكن تلك المحاولات الفردية كانت دون تنظيم ولم تستمر، وبقيت مرسومة في خيال الجيل الأصغر سناً.

للاشتراك في نشرة الاخبار