شهادات على لسان أبناء القرية

شهادات عن القرية على لسان أبنائها:

كان لا بد لي خلال إعدادي وجمعي لهذا العمل أن ألتقي العديد من أباء القرية لاستمع إلى أحاديثهم وأدققها وأعرف من خلالهم ماذا تعني لهم قريتهم وما موقفهم من التوطين والمشاريع التي يتم إطلاقها بين الحين والآخر.

   لن أنسى ذلك اليوم من صيف عام 1994 حيث عاد صديقنا العزيز أبو أدهم من زيارة له إلى أرض الوطن . وبإخلاصه اللامتناهي عرف أن أفضل هدية يمكن أن يحملها لي من هناك حفنة من تراب أرضنا الطيبة وصادف وجود الحاج أبو محمد هجاج لزيارتي، فسأل عن الهدية بعد أن غادر صديقنا فما كان مني إلا أن ناولته إياها.

طلب مني وبشغف أن يشمها، وفجأة اغرورقت عيناه بالدموع، وهو الذي لا يبكي بسهولة، وضع بضع حبات منها في فمه وابتلعها قائلاً: إنها أطيب من الشهد. توجهت إليه بعد أن أنجزت جزءاً من عملي هذا لأسأله:  "ماذا تعني لك (علما) وهل ترضى بالتوطين بعد نصف قرن من اللجوء والاغتراب.

صمت طويلاً قبل أن يجيب وكأنه يحاول أن يعود بالذاكرة إلى تلك الأيام حين كان يشق الأرض بمحراثه ليشتم رائحتها تبعث في الهواء روائح الخير والبركة والعطاء وأجاب: "(علما) دمائي سالت دفاعاً عن أرضها -هي حياتنا- لو أعطوني الجنة التي أطمع أن يسكنني بها الله في الآخرة بديلاً عن قريتي، لفضلت قريتي".

واستطرد قائلاً:

« إذا كنت في غير وطنك فلا تنس نصيبك من الذل. في الوطن كرامة الإنسان وشرفه، فيه دفن الآباء والأجداد، ويجب أن يبقى محفوراً في أذهان أبنائنا وأحفادنا إلى يوم القيامة».

وعن مشاريع التوطين قال:

" أرفض التوطين ولو كان في جنة الفردوس، وأوصي الأجيال القادمة أنه لا بد من العودة ولو بعد حين، لأنه مهما تبلغ قوة الجبابرة فلا بد للحق أن ينتصر في النهاية».

وفي لقاء مع الأخ أبو علي نوفل طرحت الأسئلة نفسها فشعرت في تلك اللحظة وكأنني قد حركت فيه ذكريات الماضي دفعة واحدة فتفجرت عيناه بدموع العاشق للأرض ورد قائلاً: «كنا نعيش بخير وأمان » كنا نملك ما لا يملكه الآخرون اليوم ، لقد رفضت العلم لأني كنت أعتقد بأن العلم لتحصيل المال، وقد كنت أملك ما أريد، صحيح أننا كنا نمضي أيامنا بالفلاحة والحصاد، لكننا بعد انتهاء الموسم كنا نطمئن ونستريح، أما هنا في بلاد الغربة فقد أمضينا العمر بالكد والشقاء، دون فائدة. أتمنى أن يعود أبناؤنا وأحفادنا ليشاهدوا بأم أعينهم الخيرات التي كانت تعطيها أرضنا الطيبة.

أطلب من أجيالنا التعلق بحقهم في الأرض والعمل بكل الوسائل لاستعادتها، والمجد لكل الشهداء الذين سقطوا في سبيل العودة إليها، وأتمنى أن أستشهد على أرض الوطن وأن أدفن هناك قرب (الجرن الأزرق ) شرقي بركة السيار، وأتمنى أن يحصل ذلك قل أن يفرض علينا

التوطين، ولا بديل عن أرض الوطن مهما كانت الإغراءات،. وقبل أن انتهي من عملي هذا، كان لا بد لي من التوجه إلى الحاج أحمد حسين عجاوي الذي لم يبخل بتزويدي بكل ما يعرفه من معلومات عن القرية. وعندما بادرته بأسئلتي، نظر إلي بعينين تخبئان كل معاني تحدي الواقع المر والإصرار على أنه لا بد من العودة مهما طال التشرد وقال: «لقد ضاعت بلادنا فلسطين نتيجة لتفرق الدول العربية، وبتنا في بلاد الشتات تتقاذفنا تلك السياسات، حتى أن قياداتنا أصبحت تدور في فلك تلك الأنظمة لتمعن أكثر في إضاعتنا وتشتيتنا. أتمنى أن يتوحد أبناء هذا الشعب خلف قيادة أمينة، كما أتمنى أن يبرز من بين صفوفا قائد وفي يقود أبناء هذا الشعب نحو الوطن فتعود أجيالنا إلى أرض الوطن عودة حرة كريمة وأتمنى أن أعود إلى علما ولو ليوم واحد فالوطن أثمن وأغلى من الولد». واستطرد قائلاً: «لقد تآمرت كل قوى العالم على اقتلاعنا وإبعادنا عن بلادنا»

ولا زال الألمان حتى الآن يدفعون لليهود ثمن ما ينسب إليهم عن محرقة مزعومة حصلت في يوم من الأيام. أما نحن أبناء فلسطين فلا يفكر أحد بقضيتنا رغم مرور نصف قرن على تشريدنا» فإلى متى ستبقى الأمم المتحدة والدول الكبرى تكيل بمكيالين ولا تنفذ قراراتها . أرفض التوطين ولا أقبل بأي جنسية مهما كانت» ليس هناك بديل عن حبة تراب من أرض الوطن».

أما الحاجة أم عادل ياسين(80 عاماً) فقد توجهت إليها فوجدتها تجلس أمام منزلها واضعة يدها على خدها وقد رسمت سنوات العمر تجاعيدها على ذلك الوجه. وعندما اقتربت منها وسألتها تنهدت وكأنما كانت تشتم رائحة الحطب المبتل بماء المطر مع بداية الشتاء، ردت علي قائلةً:

«علما كل شيء في حياتنا، رغم التعب والشقاء أفضل العيش هناك، فالناس كانت تحب بعضها وتحترم بعضها وأهل القرية كانوا يعيشون كأسرة واحدة، أفضل علما على كل بلاد العالم ولا أقبل عنها بديلاً».

أما ابنتها أم غالب (55 عاماً) فقد أجابت بمشاعر وعفوية القروية الصادقة وأحاسيس تتفجر بالإباء والعنفوان: «كيف لا أحب قريتي، هناك ولدت وقضيت طفولتي وأجمل أيام حياتي. كل شيء كان مختلفاً، ولم نكن محرومين من أي شيء. كلما سنحت لي الفرصة أحكي للأولاد قصة عن الوطن لكي يبقى الوطن في الذاكرة».

للاشتراك في نشرة الاخبار