سحماتا موقعها و جغرافيتها

لمحة تاريخية

 

‏سحماتا ، بلدة كنعانية ، أقيمت على تلين مرتفعين ، في الجليل الأعلى . تبعد عن مدينة عكا ، للشمال الشرقي نحو 30 ‏ كيلومتراً .بدأ تاريخها المتداول بعد الغزوة الفارسية لبلادنا بين عامي 612 ‏- 627 ‏ ميلادية . . . وقد دمرت هذه الغزوة التل الشمالي ( المعروف باسم الدوير) فانتقل الأهل الى التل الجنوبي . . . ونقلوا حجارته لبناء مساكنهم في الموقع الجديد . . . وغرسوا التل الشمالي باشجار الزيتون . وكان سكان القرية من المسيحيين . فتح العرب المسلمون هذه البلدة سنة 636 ‏ميلادية . . . وأقام فيها عدد منهم . . . وهكذا اصبح سكان القرية من المسيحيين والمسلمين .

 

‏وعندما احتل الصليبيون البلاد تركوا في سحماتا بعض آثارهم : القلعة الواقعة على محل مرتفع ( الحارة الفوقا ) . . . وجفروا بأسفل القلعة خزان ماء واسع لسد حاجة سكان القلعة في الحرب والسلم .

وعندما استرجع العرب البلاد من الصليبيين ، أقام في سحماتا ظاهر العمر ، واسكن فيها ابنه عثمان ، الذي استخدم لأحد أطفاله مرضعة من نساء القرية . وكانت جميلة ، فراح يراودها عن نفسها ، فأبت وشكته إلى والده . . . فأحضره أمامها وأمام بعض سكان القرية وقال له :

‏"لقد جعلتك راعياً . . . فإذا بك تنقلب ذئباً ، والله لو عدت لمثلها لجعلتك عبرة لمن اعتبر . ثم نقله من سحماتا فوراً .

‏إن القلعة المذكورة هي الأثر الأول للصليبيين في سحماتا . . . وآثارها ما زالت قائمة في الحارة الشرقية للبلدة .

‏أما الاثر الثاني فهو سورها الذي كان يطوق جزءاً كبيراً من الحارة الغربية للقرية . . . وكانت الجهة الشمالية من الحارة الغربية تعرف باسم السور ، وفي بعض المواقع كانت حجارة السور تعلو عدة امتار ...

 

‏لقد شيد الصليبيون القلعة والسور ، باعتبارهم غرباء احتلوا المنطقة ، وكانوا يخشون ثورات أهل البلاد ، وغزوات العرب ، ليصمدوا داخل حصونهم إذا حوصروا . . .

‏أما الأ ثر الثالث الذي تركه الصليبيون في سحماتا ، فهو قطعة من الأرض باتت تعرف باسم "برنان" وهي تحريف عن كلمة "برناند" الصليبي الذي كان يتصرف بها . . .

 

وإذا أعادنا التاريخ إلى الغزوة الفارسية لسحماتا يوم ترك أهلها التل الشمالي خراباً ،  وأخذوا حجارته وزرعوا أرضه زيتوناً . . .كان الآباء يروون لأبنائهم أحداث نكبتهم . . . ويطلبون منهم أن لأبنائهم واحفادهم . . . وحفظ الأبناء والأحفاد  وصايا الآباء والأجداد . . . ، وظل اسم "الدوير"  واسم الكنيسة عنواناً لهذه الذكريات .

 

وفي عهد الانتداب البريطاني على بلادنا ، تشرف أهالي سحماتا باستضافة المثلث الرحمات غريغوريوس حجار ، مطـران عكا وتوابعها للروم الكاثوليك. . . فذكر وجهاء القرية المعمّرون مكان الدير ، وما كان يتناقله الآباء عن الأجداد  فعلق المثلث الرحمات على ما سمعه "بأن الأ سماء التي تنقل لنا على ألسنة الفلاحين في هذه النواحي هي أدق وأوضح مما ذكره علماء الآثار الصليبيين ومن سبقهم .

 ‏وبعد ذلك طلب قداسة المطران من داثرة الآثار، الحفر والتنقيب عن هذا المكان . . . فكان له ما أراد . . . وأثناء عملية الحفر والتنقيب ، وجدت أرض الدير المرصوفة بالفسيفساء الغريبة الصنع ، ووجدت أيضاً ثلاثة قبور ، كتب على إحداها باللغة اليونانية :

‏"هنا يرقد المطران ثيوفيلوس اليوناني الارثوذكسي - مطران قرحتا المتوفي سنة 592 م " .

من هذا التاريخ نستنتج أن هذا الدير ، والتلة الشمالية عامرين حتى الغزوة الفارسية ... كما ان شجر الزيتون الذي غرس على أنقاضه يشهد أن عمره قروناً عدة ... وهؤلاء الشهود (الفسيفساء والقبور والزيتون) يثبتون صدق ما كان الآباء يتناقلونه عن الأجداد .

‏وكان أهل القرية حتى عام 1948يشاهدون الكثير من المغاور وبرك الماء ، وبعض أساسات البيوت وزواياها لا يزال قائماً ، وعلى علو أكثر من متر في بعض الحالات . . . البركة الشمالية التي يعرفها الآباء تزيد مساحتها عن 200 متر مربع وعلوها يزيد عن أربعة أمتار. . . والنزول إليها بدرج من الجهة الشمالية . . . وهي خالية من المياه ، لان العوامل الطبيعية أتلفتها . . .

‏كما يذكر أهل القرية الذين عاشوا فيها حتى عام 1948 أنه على بعد مسافة لا تزيد عن ثلاثمائة متر شرقي البركة توجد أنقاض بناء . . . جدران ، معالم أبواب منقورة في الصخر. . .

‏( كل هذه الآثار مذكورة في الوقائع الفلسطينية ص 167 )

‏كما كان المواطنون يجدون بين الحين والآخر قطع نقود نحاسية محفور عليها صورة الإسكندر المقدوني . . . والأ رض في هذه المنطقة ملك لكنيسة سمحاتا الكاثوليكية . . . ( الاخوة المسيحيون في سحماتا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 1880 م ) .

بعد العصر البيزنطي تحولت سحماتا من مطرانية (كما اثبت علماء الآثار عبر اكتشاف قبر مطرانها ثيوفيلوس اليوناني) الى قرية عربية ، حيث يحدثنا ياقوت الحموي المتوفي سنة 1228 م . بكتابة معجم البلدان ( الجزء الرابع ص 20) أن يحي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان وغيرهم من أشراف بني أمية قد سكنوا في سحماتا ، واتخذوا من خربة قرحتا حصناً لعساكرهم .

وقد ذكرت الوقائع الفلسطينية ص 1528  أنه قد وجد في قرحتا بقايا ، برج وحجارة ، منقوشة ، ومعصرة زيت ، ومدافن منقورة في الصخر. . .

‏وهكذا نكون قد عرفنا بعض ماضي قريتنا سحماتا كما ذكره بعض الرحالة والمؤرخين . . .

‏ونضيف إلى ما تم نقله سابقاً ما حدث في 26  ‏ربيع الثاني سنة 981 هـ االموافق 20 ‏ آب سنة 1573 ‏حيث جمع منصور بن فريخ من كبار الاقطاعيين في لبنان ، حوالي ثلاثة آلاف فارس من أتباعه ، وتحالف مع مشايخ قرى ساحل عكا – ( كفرياسيف ، أبو سنان ، جولس ، شعب ، مجد لكروم وغيرها . . . وبلغ عدد أفراد القوتين حوالي ستة آلاف فارس . . . وقامت هذه القوة بغزو قرى ترشيحا  ، سحماتا ، البقيعة ، بيت جن ، الرامة ، ميرون وحرفيش ، ونهبوها ) . . . ( وكان المرحوم المختار قيصر سمعان يتحدث عن مخطوط يؤكد هذه الأحداث ) .

‏إن منصور هذا من راشيا الوادي من لبنان الأوسط ، وهو جد الأمير بشير الشهابي الأول . . . وقد توفي سنة 1597 ‏، وخلفه ولداه علي وحسين ( والد الأ مير بشير الأول ) .

كذلك ورد ذكر سحماتا في أيام ظاهر العمر من خلال الرسالة التي أرسلها الأب جبرائيل دباس لأخيه في 22 ‏حزيران 1775 ، عندما هاجم محمد أبو الذهب حاكم مصر مدينة عكا وكان قد ‏أرغب المدن التي احتلها ، ومما جاء في رسالة الأب جبرائيل " لما تبين الشيخ ظاهر العمرانه لا يملك الذخيرة الكافية لمواجهة محمد أبو الذهب ، فقد أمر جميع الناس أن يخرجـوا من عكـا ، حتى لا يقعوا فريسة للغزاة . . . وهكذا فقــد اضطررنا لمغادرة عكا ، . . . أناس ذهبوا إلى المناطق الجبلية ، واستقروا في سحماتا وترشيحا ، واناس ذهبوا إلى بيروت ، وآخرون استقروا في دير المخلص . . . واخوتكم كانوا من الذين استقروا في سحماتا . . . وكانوا يترددون ‏بين الحين والآخر الى عكا لجلب حوائجهم التي كانوا قد تركوها في خان الافرج . . .

‏وتحكى بعض الروايات ان عدداً من العائلات المسيحية التجأوا في العهد العثماني الى قرية سحماتا وغيرها من القرى : فسوطة ، معليا ، البصة وبعضهم واصل سيره الى صفد وعين إبل .

للاشتراك في نشرة الاخبار