احتلال القرية و طرد سكانها

احتلال القرية وطرد سكانها

‏على ضوء المجازر التي كان يرتكبها الصهاينة بعد احتلال كل مدينة او قرية ، والاخبار التي كانت تتناقلها وساثل الاعلام المقروءة  والمسموعة ، حول مجزرة دير ياسين التي ذهب ضحيتها ما يزيد عن مائتي وخمسين مواطناً من النساء والاطفال والشيوخ ،  وما رافقتها  من ارتكابات وحشية كبقر بطون النساء، او خلع ملابسهن ، والطوف بهن قبل قتلهن . . . بدأت عمليات التشرد والنزوح عن بعض المدن والقرى باتجاهات متعددة .

‏وبعد سقوط مدينة صفد بيد الصهاينة في 12أيار سنة 1948 ( قبل انتهاء انسحاب القوات البريطانية منها) ثم سعد سقوط مدينة عكا في 16 أيار سنة 1948 ، ومدينة الناصرة في 14 ‏تموز سنة 1948 كان أهالي سحماتا وقرى قضاء عكا التي لم تصلها القوات الصهيونية يستقبلون اهل القرى الذين شردهم الصهاينة ، واجبروهم على ترك كل شيى، وراءهم .

‏الى جانب ذلك كانت خطابات ملوك ورؤساء العرب تهدد وتتوعد الصهاينة بالويل والثبور وعظائم الامور، مما كان يجعل المشردين يظنون ان فترة تشردهم لن تطول اكثر من اسابيع ، حتى ان بعضهم ما زالوا يحتفظون بمفاتيح منازلهم .

‏كانت اللجنة المركزية للواء الجليل تبذل كل ما تستطيع لمساعدة الاخوة المشردين من القرى التي احتلها الصهاينة بتأمين المأوى لهم ، والمواد التموينية قدر المستطاع ، وتسعى مع قيادات جيش الانقاذ للمساهمة بتأمين الضروري من المواد الغذائية . . .كما كانت اللجنة المركزية من خلال تردد بعض اعضائها الى لبنان لمتابعة بعض القضايا الخاصة بحاجات سكان القرى الصامدة ، تشاهد قوافل المشردين المنتشرين على طول الطريق . . . تشاهد وتتألم دون أن تتمكن من تقديم ما يرد الرمق على الأ قل . . . أمام كل هذه الحالات اتخذت اللجنة المركزية قراراً دعت فيه المواطنين الى عدم مغادرة قراهم، مهما تحملوا من العذاب ، ومهما واجهوا من المجازر ، ادراكاً منهم بان العدو الصهيوني يستهدف اخلاء البلاد من السكان لاستيعاب الغزاة الجدد الذين سيتقدمهم من مختلف بلدان العالم.

‏لكن يبدو ان غريزة حسب البقاء من ناحية ، وقلة الوعي القومي العام من ناحية ثانية . . . وتضخيم

‏أخبار المجازر الصهيونية ، وهتك الا‏عراض . . . الخ ، كان تأثيره أقوى من  تأثير القرارات التي تتخذها اللجنة المركزية . . . ومع بداية الهجوم الصهيوني على القرى الشمالية ، حيث قامت القوات الصهيونية من الشرق، ( من ناحية صفد ) ومن الغرب ( من ناحية عكا ) وقيام طيران العدو بقصف القرى ، ومواكز جيش الانقاذ . . .بدأ أهل القرية يغادرون المنازل الى كروم الزيتون لتجنب غارات الطائرات المتوا صلة . . .

‏وصباح يوم 29 تشرين الاول سنة 1948‏اشتد الحصار على القرية ، ودخلت القوات الصهيونية الى قرية سحماتا . . . وكان لا يزال فيها عدد من الرجال والنساء ، ملتزمين في منازلهم ، قام الجنود بسوقهم الى ساحة القرية . . . وبدأوا  يحققون مع الرجال عن المسلحين وعن الاسلحة ، ويهددون بنسف المنازل اذا لم يتم التعاون مع الجيش وتسليمه الاسلحة . . . وقد سلم بعض الموجودين بنادق كانوا يمتلكونها وهي بحدود احدى عشر بندقية .

‏كان بين السكان شاب اسمه محمد عبد الرحمن حسين قدورة ، أصيب من شظايا احدى ، قنابل الطائرات . .  وعندما شاهده الضابط ، بدأ يحقق معه متهماً إياه بأنه كان مع المسلحين واهيب في المعركة . . . وأخيراً صلبه على جدار وأطلق الرصاص عليه أمام والده  . . .

‏قبل الغروب اختار الضابط خمسة رجال من الموجودين ثم خاطب البقية قائلاً : " هذه الارض لم تعد لكم ، هيا التحقوا بجيش الانقاذ وبالقائد فوزي القاوقجي ". . . وما أن أتم حديثه حتى بدأ الجنود باطلاق النار في الهواء فوق رؤوس الاهالي الذين كانوا في الساحة والذين توجهوا شمالاً نحو الطريق التي قادتهم الى جبل عامل - ( لبنان الجنوبي ) .

‏أما الخمسة الذين استبقوهم ، فقد جمعهم الضابط  وقال لهم " أبقيناكم هنا ، لتقوموا بخدمة الجيش ، وتنفذوا كل ها يطلب منكم ، واذا حاول احد منكم الهرب فمصيركم جميعا الموت "ثم سلمهم الى ضابط شؤون ادارة القوة . . . والخمسة هم : خالد محمود ، عبد الرحمن حسين علي ، خالد محمد علي ، محمد سعيد حسن ، وأحمد اليماني .

كان اليهود خلال الايام اللاحقة ، يجلبون عمالاً وسيارات شحن ، لينقلوا كل ما يجدونه مفيداً في بيوت القرية : الحبوب بأنواعها ، الزيت ، محاصيل التبغ . . .كذلك آلات بابور الزيت وبابور الطحين . حتى الابواب الخشبية كانوا ينقلونها . . . وكانوا يقولون سنقوم بنسف بيوت القرية والافضل ان تكون المنازل خالية .

‏وصلت الي سحماتا الكتيبة الدرزية ( من ابناء عسفيا ، ودالية الكرمل ) ، وكان العدو الصهيوني  قد شكل هذه الكتيبة منذ احتلال مدينة حيفا في شهر نيسان سنة 1948 ... .

‏تعرف أحد ضباط الكتيبة ( واصف ابو الركن ) على أحمد اليماني ، يوم كان واصف من عمال بلدية حيفا ، ويتردد على جمعية العمال العربية الفلسطينية وفي اليوم التالي اعتقل اليماني، ونقل الى ترشيحا ، ليبدأ التحقيق معه ، على ضوء المعلومات التي لديهم عن نشاطه  منذ كان يعمل في جمعية العمال العربية الفلسطينية بحيفا . . . وصولاً الى أمانة سر اللجنة المركزية للواء الجليل ، وبعد التحقيق نقلوه الى معتقل نهلال في مرج  ابن عامر. . . وبقي في المعتقل حتى اشتكى والده الى الصليب الاحمر الدولي في لبنان . . . الذي اجرى اتصالاته مع الجهات الصهيونية ، وتم اطلاق سراحه مع عدد من المعتقلين في نهاية كانون الثاني عام 1949 .

‏وتم ابعادهم الى لبنان ، حيث اوصلتهم السيارات العسكرية الى الحدود اللبنانية قرب قرية المنصورة وخاطبهم الضابط بقوله :

‏" الآن تتوجهون الى لبنان ، لا تلتفتوا يميناً ولا يساراً ، ولا إلى الخلف ، وهؤلاء الجنود سيطلقون النار عليكم اذا حاول أحد منكم مخالفة هذا الامر . . واضاف " لا تحاولوا العودة الى فلسطين لان اسماءكم قد سلمت الى مراكز الجيش ، ومن يحاول العودة ، ويلقى القبض عليه سيعدم رمياً بالرصاص " .

 

‏شهداء سحماتا اثناء دخول الصهاينة اليها

‏ا- محمد عبد الرحمن حسين قدورة . . .قتله الجنود الصهاينة امام والده ، وجمع من أهل القرية في حاكورة الباط امام البركة ، بحجة ان يده مجروحة لاشتراكه بالمعركة ، مع ان اصابته كانت ناتجة عن شظية من شظايا قنابل الطائرات التي القيت على القرية . ٢ ‏- مصطفى محلي . . . اطلق الجنود عليه النار ، وهو عائد الى القرية يسوق بقراته . . . ولا يحمل شيئاً عدا العصا التي يهش بها على دوابه .

٣ ‏- حسن موسى . . . قتل امام مننزله في الحارة الشرقية

٤ ‏-عبد الوهاب سلمون

٥ ‏- عطاالله موسى

٦ ‏- موزة زوجة نعيم موسى

‏توفي الثلاثة نتيجة قصف الطيران

‏وكان الشهيد محمود حسن ظاهر من دير القاسي ، يعمل مع جهاز اللاسلكي لجيش الانقاذ قد استشهد في خراج سحماتا بتاريخ  21/10/1949‏ نتيجة قصف الطيران لمنزل فهد أحمد حسن مرة الذي كان مركزاً لاجهزة اللاسلكي .

ويقول محمد الحاج ابراهيم موسى ، أنه اصيب برصاصة من جيش العدو الصهيوني ، وهو في خلة بزرة شمال القرية ، وكانت جراحه بليغة لا تمكنه من متابعة السير ، فراح يجر نفسه على الارض حتى وصل الى نبعة عين برزة . . . واستقر هناك ، يشرب كلما عطش ، ويقتات من الحشائش المحيطة بنبع العين . . . وبقي على هذه الحالة عدة أيام ، حتى مر بقربه ليلاً بعص  أهل القرية الذين كانوا يترددون سراً الى نواحي القرية علهم يتمكنون من الحصول على شيء مما خلفوه في منازلهم ، فوجدوه على هذه الحالة ، ولا يستطيع المشي ، فنقلوه عل الدواب التي كانت معهم وعادوا به الى لبنان . . .حيث ادخل المستشفى في صور وجرت معالجته ، واستعاد كامل قواه . . .

‏بعد التاسع والعشرين من شهر تشرين الاول عام 1948 أصبحت سحماتا خالية من أهلها  ودمرها الصهاينة تدميراً كاملاً ، ولم يسمحوا لاحد من سكانها القلائل الذين التجأوا الى بعض القرى المجاورة . . .( فسوطة ، البقيعة ، ترشيحا ، الرامة ) . . . من زيارة اطلال قريتهم ، وحولوها الى منطقة عسكرية ، احاطوها بشريط شائك علقت عليه لافتات تحذر المواطنين من مغبة الدخول الى بقايا القرية المدمرة . . .

للاشتراك في نشرة الاخبار