محمد كامل

الشــهادة الثانـــية

 

تقرير اعده محمد كمال بعنوان :

"شواهد قبور المسلمين والمسيحيين في قرية سحماتا تشهد على الجريمة"

(نشر التقرير في ملحق صحيفة الصنارة بتاريخ 16 أيلول 1994)

 

يبدو ان الاموات ليسوا بعيدين عن الاحياء ، فالاعتداءات تطول ايضا من هم في القبور .

في الآونة الاخيرة اقتحم مجهولون مقبرتي المسلمين والمسيحيين في قرية سحماتا المهدومة منذ عام 1948وسرقوا حجارة وشواهد القبور من المقبرة الاسلامية وانتزعوا حجراً كان فوق ضريح مختار القرية ، المرحوم قيصر سمعان الذي  كان قد نقل من كنيسة القرية الى المقبرة .

 

‏سحماتا ، بلدة تاريخية تقع في شمال فلسطين ، شرقي بلدة ترشيحا ، ولا يعرف بالضبط من أين جاء اسم القرية . كامل العبد قدورة ، أحد ابناء سحماتا ، يسكن في قرية الرامة حالياً ، روى لنا نقلاً عن جده ان شخصاً موسراً يدعى "متى " اعيب بمرض السل وانه نصح بأن يسكن على راس التلة . ففعل ذلك وقد صح هناك ، فقالوا "صح متى" وحرفت العبارة لتصبح سحماتا . وهذه هي الرواية الشائعة .

‏وفي كتابه عن عكا وقراها ، يقول الاستاذ ناجي مخول ان سحماتا بلدة كنعانية ورومانية واسلامية وصليبية اقيمت على تلين مرتفعين ،  يفصل الواحد عن الاخر طريق البقيعة - ترشيحا ، وتبعد اطلالها عن البقيعة حوالي خمسة كيلومترات .

 

‏توجهنا الى سحماتا برفقة الشاب اميل سمعان ، ابن القرية الذي يسكن اليوم في حيفا ، وكان اميل قد ابلغنا عن سرقة حجارة المقبرة قبل ذلك بيومين ، مع ان عملية السرقة والانتهاك قد تمت قبل شهور طويلة. الفينا القرية مسيجة من جميع الجهات ، ولكننا دخلناها ولم نلق احدا هناك . في مركز القرية واجهتنا لافتة كتب عليها : مواقع اثرية ، كما وجدنا الاطلال والانقاض . كانت القرية أثرية وقديمة وعادت في القرن العشرين لتصبح أثرية مرة ثانية فانضمت الاطلال الحديثة إلى الاطلال القديمة ، ولم يبق فيها سوى جدارين يوشكان على السقوط ، هما جدارا الكنيسة واطلال جامع لم يسلم من الهدم ، وحوض ماء كبير جاف ومقبرتان واشجار الفاكهة الرمان والتين والصبير وبعض الاشجار التي ظلت صامدة ، وفي مركز القرية ، التقينا ابو سليم رزق قيصر سمعان ، عم اميل الذي جاء برفقة صالح خير ، درزي من قرية البقيعة المجاورة ، الذي جاء ليقطف الصبير .

التقينا عند البركة الجافة التي كانت مصدراً لري النباتات وسقاية المواشي ، حيث كانت سحماتا بلدة عامرة . ابو سليم قال : ان صالح متدين وانه جاء برفقته وباذن منه ليقطف الصبير ، كي لا يتهمه اهالي القرية "بانه سارق " . هناك على الطريق الرئيسي في القرية شاهدنا اثار البلاط واثار الفسيفساء ، اضاة الى روث بقر "موشاب تسوريئيل" المجاور ، القائم على اراضي سحماتا مع سقيفة "موشاب حوسن" . تقدمنا قليلاً فالتقينا برجل يعتمر قبعة دينية ، اسمه حبيب عمار، كان يحمل دلواً مليئاً بالزيتون الاخضر . حبيب يسكن في "تسوريئيل" ويقطف اثمار اشجار زيتون سحماتا منذ 16 عاماً .

قال : لي أرض في سحماتا ، فيها زيتون وتين ورمان !!! الحكومة اعطتني هذه الارض ، واضاف رداً على سؤالي " لا اعارض عودة اهالي سحماتا الى بلدهم ، ولكن الحكومة لا تريد ذلك . أبو سليم ( 64 عاماً ) من عائلة سمعان ، التي سكنت القرية حتى عام 1948 . يعرف خارطة القرية جيداً ويعرف موقع كل منزل فيها . قال مشيراً بيده : هنا دار مبدا سمعان ، وهناك دار فهد سمعان ، وهذا بيت المختار قيصر سمعان  وابنه جريس الذي اصبح مختاراً من بعده " لم تكن هناك سوى الحجارة ، ولكن ابو سليم يحدد موقع كل بيت في القرية .

غالبية سكان سحماتا كانوا من المسلمين ، وفي عام 1948 لم يتجاوز عدد سكانها 1200 نسمة ، بينهم حوالي 60 شخصاً من المسيحيين ، وابو سليم كان طيلة الوقت يؤشر بيده الى مواقع بيوت ابناء القرية من عائلات قدورة ، وعسقول ، واليماني ، والجشي ، ومحمود اضافة الى عائلة سمعان .

كانت عائكلة قدورة اكبر عائلات القرية ، وشكلت اكثر من نصف سكانها . وكانت تملك اراض واسعة مفلوحة ومزروعة بالزيتون . كما ان عائلة موسى كانت تمتلك اراض واسعة ايضاً وكان لعائلة سمعان حصة كبيرة من اراضي القرية . كان في سحماتا جامع وكنيسة من أيام البيرنطيين ، ولكن معاول الهدم الصهيونية لم تستثن شيئاً ، فاطاحت بالاماكن المقدسة ايضاً . لم يبق من الكنيسة سوى جدارين يوشكان على السقوط . الصليب الذي انتصب عند باب الكنيسة الغربي سرق ، وروث بقر "تسوريئيل" غطى ارضية بقايا الكنيسة والمدخلين الغربي والجنوبي لها .

جامع القرية يقع على بعد 50 متر فقط من الكنيسة ، ( كقرب المسيحين من المسلمين ) لم يبق منه سوى الحجارة المغطاة بالاشواك والنباتات البرية في قرية كانت مأهولة بالسكان .

يقول أبو سليم : " كان الشيخ والخوري يتبادلان الزيارات دائماً . كان الخوري يأتي من سخنين ويلتقي الشيخ محمود الجشي والشيخ شحادة الجشي والشيخ مصطفى سلمون وشقيقه الشيخ عبد الله . كانت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ممتازة .

ابو عفيف ، سمعان قيصر سمعان ( ٨٢ ‏عاماً ) ، يسكن في حيفا منذ 33 ‏عاماً . يقول : كنا عائلة واحدة في القرية ، وعندما تزوجت كان الشباين من المسلمين ، زوجته ام عفيف تؤكد ما يقول وتضيف : كان الشباب والصبايا من المسلمين . والمسيحيين ينظفون الكنيسة والجامع سوية . بالقرب من الكنيسة يقع بيت ابراهيم  قدورة وبجواره بيت عائلة ابو ماهر ، احمد اليماني ، عضو الجنة التنفيذية لمنظمة التحرير سابقاً . ولد ابو ماهر في سحماتا قبل حوالي 70 عاماً ، يقول ابو عفيف ان علاقات الاخوة والمحبة كانت مميزة بين عأثلتي اليماني وسمعان . "وكان والد احمد اليماني صديقاً لي ، كنا أهلاً واخوة وكانت أم عفيف بمثابة اخت لاحمد" .

‏ويضيف أبو عفيف : كان في القرية شابان متعلمان ، احدهما ابو ماهر اليماني ، الذي عمل معلماً لعدة أشهر خلال عام 1948بذل جهوداً كبيرة من اجل ابقاء أهالي سحماتا في بلدهم مما دفع الجيش الاسرائيلي الى ربطه بزيتونة تمهيداً لقتله . اما الثاني فهو محمد ابراهيم خليل قدورة الذي ذهب ليعمل في السعودية ثم استقراخيراً في الاردن .

‏ابو عفيف ، الذي يمكن اعتباره واحداً من مؤرخي القرية ، يصف الترحيل والتشريد : "احتل اليهود المنطقة في 29  ‏تشرين الاول . احتلوا ترشيحا ومعليا وسحماتا ايضاً . حاصروا القرية من جميع الجهات ، ولكن الجهة الشمالية تركوها مفتوحة ، كن نتمكن من الهرب الى لبنان بدلاً من البقاء في بلدنا.

كان جيش الانقاذ قد وصل سحماتا واشتبك مع اليهود ، وفي شهر تشرين الاول قصفت الطائرات"الاسرائيلية" قرية دير القاسي وترشيحا  وسحماتا ، وجرى تشريد الاهالي الى لبنان .

‏شرد سكان سحماتا وتركوا اراض شاسعة تزيد مساحتها عن 22  ‏الف دونم ، اضاذق الى الاراضي المزروعة باشجار الزيتون . تركوا اراض تمتد شرقاً الى قرية بيت جن وغرباً الى حدود ترشيحا ، جنوباً حتى كفرسميع والبقيعة وتمتد شمالاً لتعانق اراضي دير القاسي . شرد أهالي سحماتا عن قريتهم التي احبوها وتفرقوا في أرجاء العالم المختلفة . انتقلوا الى لبنان - الى صور وصيدا والرشيدية وعين الحلوة وبيروت ، ومن هناك انتقل بعضهم الى اوروبا وامريكا ، وبقي قسم منهم في البلاد ، في الوطن ، موزعين في قرى البقيعة وفسوطة وترشيحا وكفرسميع والرامة والمزرعة وفي مدينة حيفا .

‏وسكن القرية مستوطنون جدد من رومانيا لعدة أشهر ، كما يقول أبو عفيف ، الذي لا يستطيع مغادرة بيته في حيفا بسبب المرض والشلل . وفــي عام 1949 انتقل هؤلاء الى اماكن اخرى ، وفور خروجهم من سحماتا تعرضت القرية لنفس المصير الذي واجهته عشرات القرى الفلسطينية .

‏نسف اليهود منازل القرية ، في البداية نسفوا الكنيسة والجامع ولكن الاشجار ما زالت واقفة، خلال جولتنا في القرية شاهدنا بأم أعييننا أبقار "تسوريئيل" وسمعنا خوارها . كانت أوساخ الابقار في كل مكان شاهدنا الابقار بالقرب من مقبرة المسلمين ( 30 ‏دونماً ) وفي الطريق اليها . القبور بارزة ولكنها مهملة .

بعض حجارة القبور سرقت وحجارة القرية صودرت لبناء البيوت في "كفار هفرديم " (قرية الورود ) قرب ترشيحا ، بينما استوطن يهود في "تسوريئيل" و "حوسن" القائمتين على اراضي القرية . وفي أعقاب سرقة الحجارة ، شكل أهالي القرية لجنة مصغرة من اجل المحافظة على اطلال  مقدسات القرية ، ولكن الجهود التي بذلوها ذهبت سدى .

‏مؤخراً ابلغ عضو الكنيست هاشم محاميد في استجواب قدمه لوزير الاديان  المقابر في سحماتا اصبحت بمثابة اسطبل . محاميد سأل الوزير عما سيفعله من اجل وقف هذا الامر ، الذي يشكل مساً بمشاعر المسلمين والمسيحيين .الوزير ادعى ان سكان سحماتا لم يبلغوه شيئاً عن المقبرة المهجورة وأبلغ محاميد انه ينوي ، تسييج المقابر وأنه توجه بهذا الشأن للمجلس الاقليمي "معلية يوسف "

ولكن اميل سمعان يقول ان القرية مسيجة منذ حوالي سنتين ، ورغم ذلك يأتي البقر من اسطبل "مئيربيطون" ليرعى في مقابر القرية المهملة التي لا يحرسها احد .

‏كامل العبد قدورة واميل سمعان يقولان ان الاهالي يفدون الى القرية لتنظيف ورعاية القبور فيها ‏. ولكنهم توقفوا عن ذلك في السنتين الاخيرتين في اعقاب اقامة السياج حول القرية .

أبناء القرية الذين تحدثنا معهم يقولون انهم سيطالبون السلطات "الاسرائيلية"ووزير الاديان بشكل خاص بالسماح لهم باستعمال المقابر لدفن الموتى عن أهالي سحماتا فيها ، في المرحلة الاولى ، وسيطلبون لاحقاً تمكينهم من العودة الى قريتهم واستعادة حقوقهم فيها . ابو عفيف يشير الى محاولات جرت عام ‏1948 مع السلطات الاسرائيلية من اجل العودة ولكنها لم تجد نفعاً .

‏ويقول : "نحن عائلة صغيرة ، ولكنها تشتتت ، أنا سكنت في فسوطة ومنها انتقلت الى حيفا . وأخي رزق يسكن في البقيعة وأخي جريس شرد الى لبنان ، وتنقل فيه وتوفي هناك ، دون ان اراه . حالنا لا يختلف عن حال عائلات اخرى . سحماتا جميلة جداً بأهلها وارضها وكلنا نريد العودة ‏اليها . لو اتيحت لي العودة الى سحماتا لما بقيت ليلة واحدة في حيفا التي اسكنها منذ 33  ‏سنة . وكنت افضل النوم تحت شجرة الزنزلخت - بجوار بيتنا قرب الكنيسة"  قالها وأغرورقت عيناه بالدموع .

للاشتراك في نشرة الاخبار