سليمان الناطور

الشهادة الرابعة

‏"سحماتا وهلمجرا"

كتب السيد سلمان ناطور من قرية دالية الكرمل ما يلي :

‏كثيرة هي الكلمات التي لا تقرأ الا بأحرف كبيرة او ان كتبت بأحرف صغيرة فلا يقبل مضمونها الا بالحجم الكبير مثل كلمة الدم ، والمجزرة ، والمذبحة والقتل والعدوان ، وكلها تدخل قواميس الوحشية ، والوحشية لا تقبل الا بحجم كبير.

 

من الضروري ان تكون لكل كلمة دلالتها ، والامر البديهي  ان تشحن كل كلمة بمضمون يترك وقعاً في النفس ويستنفر اذا اقتضت الضرورة الاستنفار ويهدىء الخواطر اذا اقتضت الحاجة لذلك ، وقلما يتغير مدلول الكلمة، لكن ما يحدث أن يتغير مشحونها بدافع العادة او الابتذال او الانسحاق او التشويه والتزييف .

 

‏ما يدفعني الى الكتابة عن هذه الكلمات ، وبالاساس الكلمات القاسية هو ما اكتشفه من حقائق رهيبة عن فترة  رهيبة من تاريخ شعبنا الفلسطيني - نكبة العام ٩٤٨ ‏ا ، حين شرد هذا الشعب ولم يكن بالامكان ان يشرد لولا وقوع المجازر في كل قرية وكل مدينة فلسطينية . ‏انتمي الى الجيل الذي ولد بعد النكبة بعام واحد ، وقد كبرت على حكايات والدي وجدي عن سقوط حيفا وام الزينات وعين حوض وخربة ابو حرب وخربة ابو عطية وخبيزة وهي القرى المجاورة لبلدنا دالية الكرمل ، وهي القرى التي جعل اهلها من قريتنا محطة اولى في الرحيل الطويل الذي قطعوه الى الموت والشتات .وحين بدأت ادرك التاريخ القريب .اصبح شكل النكبة يبدو اكثر وضوحاً واشد ايلاماً ، كنت اسمع ان مجزرة ارتكبت ، وكان الحديث عن دير ياسين فقط ، وكثيراً ما كنت اسال واتساءل : وقعت مجزرة في دير ياسين فلماذا شرد اهل الصفصاف والكويكات وسحماتا وهوشة والكساير؟

 

‏ورأيتني قبل ان ابدأ بمراجعة التاريخ القريب والذاكرة الحية ، بدأت ابحث في قواميس اللغة عن معنى المجزرة والقتل وسفك الدماء .

‏من قال ان شرط المجزرة ان يكون ضحاياها العشرات او المئات من النساء؟ او الاطفال؟ ومن قال ان سفك الدماء هو ان "يصل الى الركب" وان تجري الجداول والانهار القانية .

 

‏يعرف القاصي والداني ان في دير ياسين وقعت مجزرة رهيبة ولكن قليلون هم الذين يعرفون ان ‏في سحماتا وقعت ايضاً مجزرة رهيبة . لم يقتل العشرات ولا و المئات ، ولكن قتل هناك شيخ في الستينات اسمه خليل عبود وزوجة الشيخ فتح وزوجة اسعد النمر ، امرأة  في الاربعينات سقطت عليها القذيقة فمزقتها . وابو السالم من دار قدورة كان عمره ٢٤ ‏سنة اطلقوا عليه الرصاص امام  ناظري والده ، ومصطفى العلي كان في الاربعينات وعنده اربعة اولاد ، اطلقوا عليه الرصاص في الحاكورة  وقتلوه وهكذا حسن موسى وعطالله  محمد صالحة ومحمد عبد الرحمن وعبد الوهاب سلمون وفوزي قاسم موسى ... هؤلاء  قتلوهم في سحماتا عام النكبة ، وحين تذكر النكبة ، قليلا ما تذكر مجزرة سحماتا . او مجزرة  عيلوط !لتي كان ضحيتها واحد واربعون امرأة  ورجلاً ، ولا تذكر مجزرة خبيزة ولا مجزرة مرج ابن عامر التي كانت اشد المجازر فظاعة  ووحشية  وضحاياها جميعهم من الشيوخ والنساء ، ثلاثة انساناً القوا بهم احياءاً في مستنقع مرج ابن عامر ، في كانو الثاني غرقوا في الماء والوحول .

 

‏حين بدات ادرك اسرار النكبة بدأت ابحث عن الذاكرة الفلسطينية ، عن اولئك الذين نجوا من الموت لكنهم ما زالوا يحملون التجربة والمعاناة ، والعودة الى اولئك لسنا بحاجة اليها لمجرد استعادة ذكريات او لفتح الجراح ، وللبكاء على ما مضى ، بل لنتعلم من التجربة، تجربة اولئك الذين ما زالوا يحملون العذاب والمعاناة ويأبون الا ان يواصلوا الحياة . ونعود الى ذلك المسلسل الرهيب لكي يبقى للكملة مدلولها ومشحونها ، فان يقتل العشرات والمئات ، هذه مجزرة وان يقتل طفل واحد ، هذه مجزرة وان يجري نهر من الدم فهذه جريمة وان تسيل نقطة واحدة من دم برئ ، هي كذلك جريمة ، لان دم الانسان لا يقاس بالليترات ولا بالبراميل.

‏اننا نعود الى هذا المسلسل لابراز القاعدة وليس الاستثناء ، فدير ياسين في نظر الصهيونية هي استثناء ، او كما يسمونها ظاهرة شاذة حتى بن غوريون دانها واستنكرها ، ووصف سفاحها بالنازية . واعتبرها خروجاً عن القاعدة . ولكن الحقيقة انها حلقة من مسلسل فظيع ورهيب كان بن غوريون على رأس مخططيه ومدبريه ، وما استنكاره لهذه الجرائم سوى محاولة لصرف النظر عن جرائمه هو التي لا تقل بشاعة .

‏وحين تبرز القاعدة نوضح الدوافع لارتكاب الجريمة واهدافها ، فتشحن "النكبة " بكل مضامينها المأساوية في الممارسة والتخطيط على حد سواء ، وتكون درساً من التاريخ وليس مجرد "اجا التاريخ ضربنا بكف" .

 

‏خطر لي ان اكتب عن هذا الموضوع بعد ان عدت لاسجل وقائع  مسلسل الجرائم الرهيب التي ‏بدأت في عام النكبة . ولفت إنتباهي انني كلما قابلت شيخاً مشقق الوجه ، يحمل هذا التاريخ  في ذاكرته واطلب منه ان يحكي لنا ما حدث ، اول ما يصدر عنه بعد لحظة صمت وتأمل ، وان يقول بحزن لكن بغضب" : اللي صار معنا ما صار مع حدا في الدنيا واللي عملوه في بلدنا ما عملوه في أي بلد . واذا كان من أهالي دير ياسين او من أهالي الصفصاف او عيلبون او ام الزينات او عليوط او سحماتا ، فهكذا يبدأ حديثه ثم يتكلم بهدوء عن التفاصيل ، انه يشحن الكلمة ويعبئها بمضامينها اذا تحدث عن مجزرة قتل فيها طفل واحد او مئات الاطفال والنساء والشيوخ .كل منهم يتصور أن ما حدث له لم يحدث لاحد غيره ، ولا ‏تملك في هذه اللحظة الا ان تنقل كلماته بحجمها الطبيعي لانك تعرف انك تنقل حكاية اقسى ما فيها انها لم تنته بعد .

للاشتراك في نشرة الاخبار