الزحف السلمي و العودة

الزحف السلمي ... والعودة الى البيت ؟

العلامة اللبناني عبد الله العلايلي يتذكر ويذكرّ :

‏ذكرتني بادية هذه العزمة المصممة ، التي شهدت ولادتها امس ، تباركت لدى النفر المبعد من فلسطين في "مرج الزهور وزمرياً " يوم 20 كانون الاول سنة 1992 ، دعوة اطلقتها في الناس يوم 15 حزيران سنة 1959 .

 

وذلك في مناسبة حاشدة دعت اليها الهيئات الفاعلة في لبنان ، وبلغ من تأثير الدعوة يومذاك ، ان وقف منتصباً فوق كرسيه الدكتور بشارة دهان مؤسس حركة كل مواطن خفير ، يعلن بصوت مدوٍ انه مستعد ليكون في مقدمة المستجيبين الزاحفين يوم يحين الحين وتحقق الحاقة ، وتتجسد الدعوة عملا متحدياً يملأ الارض والفضاء ، في سمع الدنيا وبصرها.

نعم هذه البادرة المصممة المستهينة التي شهدت لأسبوع مضى ، ملأتني بشراً واملاً متجدداً ، بأن الغد لنا ، وان النصر لنا . ولهذا الامل المتجدد أعاود الدعوة مرة اخرى ، لأبصر وأشهد: المعجزرة بأمنية تحققت او كادت ، في مرآة القدر ، قدرنا هذا الشاخص .

دعوت قبل ثلث قرن ونيف في ندوة عامة غصت بالجماهير المحتراصة المحتشدة من كل الفئات ، الى ان الحل لن يكون ابداً بمفاوضات ، لان البديهيات المنتجة ، ان لا مفاوضة قبل الجلاء ، ولا بمحاضرات او قل معي وهو أصدق : بمحاصرات هي نوع طريف مستحدث من الحلول بمنطق هذا العالم الجديد.

وانما الحل الحق ، مرتهن بالغلاب العازم المطمئن من نوع ما رأيت في سمات وجه هولاء البررة المبعدين عن ديارهم ، وكانها ارتسامة الواثق الذي يصنع بيده غده .

واوطئ لمقترحي بتمهيد يوضح على نحو غير مطروق ، قيمة قضية العرب الاولى "فلسطين" من حيث انها وحدها الجديرة بان تدعى "القضية العربية قبل اي اعتبار .

فتظل لذلك في المقدمة من همومنا ، نكبة زلزلت ولا تزال تزلزل ارجاء هذا الشرق الاوسط ...

‏على انها وان شراً كلها ، جاءت من حيث لا تحتسب ايضا عاملاً من عوامل تطورنا السياسي الحديث . حيث عبرت ابلغ تعبير عن ان الضعف ، انما يكمن في الكيان لا في الكائن وكانت النتيجة العفوية لهذا الادراك ، سلسلة انتفاضات وثورات وحركات انقلابية هنا وهناك .

‏ولولاها لظل هذا الشرق العربي مستكيناً قابعاً ، في حدود قوقعة قدرة الموهوم الذي رسمه لنفسه بغباء. وكان لوقعها ما للأجراس من جلجلة مزلزلة  لم تلبث ان آذنت باليقظة الكبرى ، وانبعث هذا الشرق يصنع بيده قدره ، ويجابه العقبات المعترضة ويدفعها بالصدر العارم والمنكب العبل ، وبهذا ساعد التاريخ على عمله في حركة تطوره الحتمي ، في ذات نفسه وفي ذات المجتمع . ولا سيما بعد ان وقر في وعيه ان القدر يعني القدرة ، لا ذلك الغيب الميتافيزيقي ... ومن ثمة عرف الدرب الى الخلاص ، وقد حاد وضل عنه كثيراً .

‏وكان واجب الاولياء الجدد الذين افرزتهم الثورات ، وأعني الذين هم من منع النكبة الفاجعة بالذات ان يعملوا العمل الا‏ول في جنب قضيتها قبل اي  شيء آخر.

‏ولا بدع في ان تقطع هذا القطع ، وقضية فلسطين وحدها جاءت في تاريخنا الحديث . . . جهاداً بعثاً في ذات العروبة ، ولوجهها الخالص، دون ما دوافع اخرى تصرفه عن معناه ، وتكسبه لوناً غير لونه .

‏فنحن في لبنان كانت لنا قضية مع مستعمر، وكان لنا جهاد بغايته تحرراً وخلاصاً . وكان للعرب جميعأ من ورائنا عمل يسنده ويشد أزره . فقضيتنا في جوهرها كانت قضية تحرر ، وجهادنا افتكاك القيود والاغلال ، وكذلك هو الامر في كل قطر عربي .

‏بينما الامر في فلسطين كان مختلفاًَ وعلى غير هذا الوجه ، حين جاء كفاحها وكفاح العرب من ورائها ، من أجل عروبتها أي من أجل حقيقتنا فيها ، ثم من أجل اشياء اخرى  بعضها الحرية وبعضها انقاذ التذكارات الروحية .

‏وهي بعد ذلك تنفرذ بأنها ذات لون مزدوج ، تدور للوجود اذ تدور للحرية . ومن شأنها ان تتكشف عن الخطير الخطير ؛ ان تتكشف من مقدار كفايتنا لنكون أمة ، وعن درجة اهليتنا لاستحقاق القومية التي تعرف كيف تملي ، أي تعرف كيف تبني وتعلي .

‏النكبة بها وان اوجعت ، فقد اعطتنا هذا الوعي الشعبي المتزايد في رقعة عالمنا العربي المديد . وبتعبير هو اقرب الى الدقة : حين سمحت للوعي الشعبي بالتجسد في بروز وشموخ . فهذه اليقظات الشعبية الماردة  والانتفاضات الحرة الماضية قدماً الى ما نريد ، تملأ بالغبطة قلوبنا نحن ‏الذين انطوينا على رغبة الصراع ، حقيقة حياة وخطة عمل ، ومنطلق صيرورة .

‏لقد ظل هذا اليوم النضالي المفعم بكبرياء الشعوب وارادتها ، حلم عيد في قلوبنا ، نتلفت اليه املا متنظراً ونلتمس طلته في الدروب والمفارق . . . ثم كان هذا اليوم ، وكان شيئاً كبيراً ، كبيرا في تحققه وعياً في تجسده ارادة فاعلة وقوى مغيرة .

‏ومن الواجب ان نرجع القهقرى الى الوراء قليلاً ، لنرى ان فلسطين العربية قبل تدخل الاولياء الحاكمين ، وفي مقدمتهم مؤسس المملكة السعودية ، ومؤسس العرش الاردني ، وغطريف مصر الملك وكان القابلة الحقيقية للجامعة العربية ، الى ما لا تحصى وتعد من شخصيات ورجالات.

‏نعم قبل تدخل الاولياء هؤلاء واولاء ، ناضلت فلسطين نضالاً بدعاً حكته الدهور للدهور ، وثبتت ثباتاً كله الكبرياء روته العصور للعصور ، ثم قيل لابنائها (ومحضر تعهد الملوك والرؤساء لم يجف حبره ولا ينبغي له ان يجف) ، نعم قيل لابنائها: افسحوا الطريق لندفع عنكم بالمناكب والصدور ، فصدعوا للامر وهنا حلت النكبة وتفتحت اشداق القبور .

‏ومن منطلق هذا التعهد ، لا يستباح لأي من الاولياء اليوم ان يتمنى او يتخاذل او يقعد عن النصرة ، وليس بمنطق القومية بل بمنطق التعهد القانوني الذي اخذوا انفسهم به . فقد كانوا طرفا في عقد ، على اساسه اوقفوا الثورة في الثلاثينات ثم خرجوا بأثقالهم في الاربعينات .  وعلى هؤلاء الاولياء شاؤوا او ابوا ، وهم طرف في عقد صريح ملزم ان يقوموا بمستلزماتهم الحتمية ، وليس تفضلاً او احساناً .

‏بأسف اجدني اقول . في فلسطين نحن خدعنا ، ونحن الذين موهنا وتآمرنا ، وابناؤها المشردون تحت كل كوكب يحملون آلاماً نحن صنعناها لهم . وهذه اقوال واجهت بها المسؤولين قاطبة ، وعلى رؤوس الاشهاد في الحفل التأديني الاول لعدنان المالكي في 5 آب 1955 بدمشق، وكان يوماً عربياً جامعاً واعيدها الان لأننا لم نزل نخدع ونموه دون ما ارعواء . وواجب المسؤولين اليوم ، لنغفر لهم شيئاً من الغفران ، ان يعززوهم تعزيز الغلاب ليوم منتظر وان يعمقوا الالم في نفوسهم تعميق الكبرياء ، وبذلك نكسب فلسطين حين لن نخسر الكائن ‏الفلسطيني .

‏اجل يجب ان نعمل العمل الحسم ، والحسم كما نعرفه في العلم هو : قمة التوتر ني الايجاب . . . والعمل الحسم في جنب القضية يجيء في كلمتين اثنتين : التسلح العربي بلغ الذروة كما تقول البلاغات وهو بدون قيد او شرط ، و "اسرائيل " معتدية بحكم عالمي اجماعي فيما تجاوزت به مقررات منظمة الامم .

‏ففي أيدينا سلاح وفي أيدينا حكم اجماعي يتطلب التنفيذ ولكن السلطة الاجرائية "مجلس الامن "  واهنة عن تنفيذه ، ومن الاوليات في حالة ما اذا كان لديك حكم وعجزت السلطات المختصة عن تنفيذه ، انه يعود اليك الحق في التنفيذ في حدود ما هو قانوني مشروع ، دون ان يسمى ذلك اعتداء ، لان الاعتداء فرع وجود الحق في المقابل .. بل تكون صفتنا من بعد ، اننا جند من جنود القانون ننقذ شرف مقررات المنظمة الاممية.

‏وان ابى المسؤولون ركوب هذا المركب ، ادلهم على وسيلة نضال وقعت عليها في مذكرات غاندي ، وهي من يسرها يظن انها مضحكة ، اما في نتائجها وما تورث من تعقيد وارتباك لدى الخصم ، وما تمد به من قوة ، فما عرف الناس وسيلة اخرى تعادلها ، لانها تضع في يديك كل قوى العالم لتحارب بها .

‏وكان من الامر كما حدث وروي ، انه اعلنها حرب شعواء على مبدأ التمييز بين العروق ، وهو في جنوب افريقية ... وكانت وسيلته اليه ليس اكثر من حشد اثنى عشر الف شخص اتجه بهم في ثبات مستبسل الى المدينة الحرام على الملونين ، وكان مجرد العبور بشكل جريمة تعرض للجسن والتنكيل .

‏والحرام المفتعل يظل كذلك أي حراماً ما دام في دائرة الافراد ، واما ما هو في دائرة الجماعات الكثيفة الكبرى ، فان انتهاكه يضحى شريعة .

‏وهكذا بحركة يسيرة جرد القانون من روحه اولاً ، وحمل الحكومة القائمة على تنفيذ القانون المفتعل ، وهنا برزت المشكلة : هذه الآلاف المؤلفة كيف ينفق عليها وكيف تهيأ لها الاماكن المستوعبة كسجون . . .

‏ثم يأتي من وراء هذا كله ، وقع الحدث في الضمير العالمي : آلاف تساق الى السجون دفعة واحدة ، شيء لا تقره البشرية حتى وهي تطبق شرائع الغاب .

‏والمشكلة الفلسطينية في حيزها الدولي ، تعني التجاوز السافر الصريح ، والخلاف المستخف بمقررات المنظمة الاممية ، وتعطي اللاجئين الحق بالعودة الى بيوتهم . وما أيسرها مشكلة في بوابة الحل على قاعدة غاندي : اعداد اللاجئين في الشتات المنثورين تحت كل سماء للعودة الى البيت . . . واعلان ذلك الى العالم بكل وساثل الاعلام ، درا كًا وتباعاً لأسابيع متصلة تكفل اعداد الرأي العالم العالمي لتبني القضية ، ثم الاعلان بأنه في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني ستتوجه جماعات اللاجئين المطّوح بهم هنا وهناك توجهاً سلمياً بقصد العودة الى البيوت ، وذلك في سمع العالم وبصره ، ومن كل الجوانب والجهات لبلاد دول المواجهة ، متخذين سبيلهم اليها وفق التعبير القرآني (وهم من كل صوب ينسلون) أي ارسالاً ارسالاً ، وزرافات زرافات ، مع تحميل الضمير العالمي بهيئاته وحكوماته وشعوبه مسؤولية ما يحدث . وما يحدث ؟ ايحصدهم "الاسرائيليون" على الحدود بالحديد والنار؟ فليكن . . . فهذا الموت المستبسل النبيل ، وهو وحده يزلزل حتى التردم قاعدة وجود "اسرائيل" .

‏­ثم ماذا يخسر اللاجئون لو اقدموا ؟ الموت الذليل الذي يموتونه في الخيام ، او رعاية وكالة الغوث ، وأكرم منها ما يلقى بائس في مأدبة اللثام ؟ وما اصدق طارق بي زياد يوم قال : الموت امامكم والبحر من ورائكم ، وحين يكون أكرم الحالين ، الموت باحترام ، فلنمت شرفاء .

ولا يسخر متسرع بخطة من بيت غاندي ، فهذا الجرل يوماً تعرضت خططه للسخرية كثيراً ولكن ليؤول به الامر ، الى الظفر بإعجاب الانسانية ، والظفر بالهند .

للاشتراك في نشرة الاخبار