حق العودة كما يراه ابن سحماتا وجيه سمعان

حق العودة ( 1 )

حق العودة كما يراه ابن سحماتا

السيد وجيه سمعان المقيم في حيفا

مشرداً عن قريته مع كل اهله ... ولا يسمح لهم العودة اليها

(نشرت الشهادة في صحيفة الاتحاد بتاريخ 29/3/1995)

‏في الحاديه عشر من آذار الجاري ، التأم جمع من المهجرين العرب داخل الوطن منذ عام 1948 ، بدعوة من لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق المهجرين في "اسرائيل" ، وانتخبت لجنة متابعة لجمع  شملهم  والنهو ض بقضيتهم والسير بها في دروب الكفاح والامل ، من اجل حقهم في العودة الى قراهم واراضيهم .

‏في الحقيقة ، وخلال هذه الفترة الطويلة عاشت قضية هؤلاء المهجرين الفلسطينيين في ضمائرهم ، وفي لب وجدانهم ... وما جرى لهم لا يزال حيا قوياً في الذاكرة ، لم يستطع مرور الزمن ان يمحو اي خط من تلك الخطوط التي تعود بهم الى مرابع الطولة والصبا ، الى ارض الآباء والاجداد... وينتقل هذا الحب ، وهذا الوجد من الاب للولد ، والى ولد الولد ... ولم تخل هذه الفترة من محاولات ، وكفاحات عدة دقت باب العودة ان كان باندفاعات فردية او بواسطة لجان محلية ، تنم كلها عن مطالبة بحق ، ورغبة جامحة في الرجوع الى احضان الوطن ... ولكن الباب ظل موصوداً ...

‏ظلم وطغيان ... نُجلى عن قرانا بالقوة ، وتهدم بيوتنا وتصادر اراضينا ، تنتهك مقدساتنا ونفرق ايدي سبا ، احيانا بحجة من الارض ، واخرى بحجة من السماء ... قانون هنا واسطورة هناك ... املاكنا ، تعتبر ملكاً للدولة وغيرنا يرتع فيها .. تتسع للغير ، ولنا تغدو اضيق من خرم ابرة؟ وقرارات الامم المتحدة المتعلقة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لا زالت معلقة على مشجب . ان العدل لا يقبل هذا ، ولا المنطق ... اننا بحقوقنا نتمسك ، واوطاننا ستبقى معلقة في قلوبنا الى اخر الزمان .

‏وما منا نحن المجهرين ، لا يذكر بلده كل يوم مائة مرة ، ويحلم بها الف مرة ؟ من منا لا تنتابه الغصة كل ما مر قرب بلده ولم يستطع الوصول اليها ؟ من منا لا يحن الى حبة تراب او الى حفنة ماء من نبعه ماء؟ او الى حبة زيتون ؟ من منا لا يود ان يلمس حجراً هنا وصخرة هناك؟ من منا لا يحسد عصفوراً يتفيأ في حضن شجرة ونسيماً يلاطف خد غصن ؟ من منا لا يتمنى ان يكون له ولو مرقد عنزة في بلده او يدور دورة على بيدر ؟ من منا لا يتلوع لصوت الناي او رنة المعول ؟ وماذا عن العتابا والاوف تخرج من طي الصدور وتنقلها شفاه الاثير لتعانق كل شيء هناك ؟ ان كلا منا يود لو يكحل عينيه بثرى بلده .

وانه يحق لنا ، نحن ابناء هذا الوطن ، ان نرجع الى قرانا و "نعمرها" والجمر الذي في القلوب يدفعنا الى هذا الهدف الحق ، السامي النبيل . فما من شيء أنبل واثمن من التشبت بالوطن والدفاع عما تركه الاباء والاجداد امانة في اعناقنا ، ولن ننسى ، ان العديد من والداتنا ووالدينا اطبقوا الجفنين وحنين العودة يرقد في قلوبهم .

ولنا في وحدتنا ، قوة ومشعل يهدينا في الطريق ، ومع اللجنة ، والى جابنها وبالالتفاف حولها ، وبنصرة اهلنا ، كل اهلنا في الوطن وكل قوى الخير ، خير حافز لنا للسير على هذا الدرب نحو هذا الهدف الانساني النبيل .

وستبقى قضيتنا في اللب من القلب ، وفي قبضة الجفن، حتى يتمكن اخيراً ان يرجع كل حسون الى وطنه . ..

‏حق العودة ( 2 )

"الموطنون العرب المهجرن يزورون قراهم المهدمة

أهالي سحماتا يزورون مقبرة قريتهم المهجورة

(نشرت صحيفة الاتحاد في عددها الصادر بتاريخ 5/5/1995)

قام المئات من الموطنين العرب المهجرين بزيارة اراضي قراهم المهدومة امس ، الخميس ، وكما في كل عام في ذكرى قيام الدولة !!! مؤكدين بذلك على ارتباطهم بأرض وطنهم وبحقهم في العودة الى قراهم .

فقد توجه المئات من اهالي سحماتا برفقة وفود من القرى المهجرة الاخرى ، الى ارض سحماتا . وقاموا  بتنظيف وصيانة وتسيج المقابر المسيحية والاسلامية ، وترميم كنيسة القرية  وشق طريق اليها . ثم تحدث في هذا اللقاء ، لفيف من ممثلي الحركات السياسية الفاعلة على الساحة ، مؤكدين تضامنهم مع نضال اهالي سحماتا وباقي المهجرين من اجل العودة الى اراضيهم ، وطالب جميعهم باعادة اهل اقرث وكفربرعم الى قريتهم .

‏ووعد النائب الجبهوي ، صالح سليم ، في سياق كلمته ، بالعمل على الصعيد البرلماني لتجنيد عدد من اعضاء الكنيسة التقدميين اليهود من اجل ممارسة اهالي سحماتا حقهم في العودة الى ‏ارضهم .

‏وجاءنا من مكتب "الاتحاد" في عكا ان اهالي البروة قاموا امس ، الخميس ، بزيارة لقريتهم التي هجروا منها في حزيران العام 1948 . وهناك فوق ارض قريتهم اعلنوا عن تشكيل لجنة متابعة تتولى عقد اجتماع من اجل انتخاب لجنة تمثلهم . واوكل لرئيس مجلس الجديدة - المكر، عفيف كيال ، الدعوة لعقد هذا الاجتماع . كذلك قرر الاهالي القيام بحملة تنظيف للاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية في القرية . . .

‏من ناحية اخرى ، واصل اهالي معلول وصفورية ولوبية امس ، تقليدهم السنوي ، في مثل هذا اليوم ، فقاموا بزيارة قراهم .الجدير بالذكر ان هذا التقليد ولد في ظل الحكم العسكري ، اذ كان يوم قيامة الدولة ، اليوم الوحيد ، الذي بمقدور العرب التجول فيه بحرية في ارض وطنهم .

حق العودة (3)

ساعود اليك يا بلدي

‏حين يمشي الانسان على أرض بلده السليب ويتجول فيه ولو لبضع ساعات ، ترده الذكرى باقل من طرفة عين الى عام 48 ‏، وما قبله . . .كأن الزمن لم يتوقف هناك . . .هذا ما يجري للعديد منا نحن الذين واكبنا تلك الفترة ، وكنا نرتع فيها في احضان مرابع الصبا . واما الذين كانوا يومها صغاراً كزغب القطا ، او الذين ولدوا بعد هذا التاريخ المحفور في القلوب وعلى جدران التاريخ ، فقد وضعوا حب الوطن من اثداء امهاتهم ، وكونوا له صورة حية في مخيلتهم وفي وجدانهم . ولو تخيلت ما يجول في عقولهم ، لوجدت ان الوطن يتربع هناك . . انها حالة انسانية وطنية راقية وأصيلة يتمتع بها الفلسطيني الذي شرد قسراً من ارضه ومن بلده . . .ولا تفوته للحظة تلك الرغبة الجياشة ، المتحفزة ابداً في ان يعود ووطنه في قلبه ، الى الوطن وهو في القلب منه . انها لمعادلة سحرية رائعة ، ومعزوفة  وطنية جميلة تبعث في النفوس موجات من الصمود  والامل ، لا يقوى عليها ، مهما طال الزمن ، أي تعنت  وطغيان .

‏قبل ايام توجهت كوكبة من اهالي سحماتا ، كعادتها في الفترة الاخيرة ، لرد ولو قليل من الدّين الذي في اعناتفا تجاه اجداث اجدادنا ، والعمل على ترميمها وصيانتها ، وقد رافقنا هذه المرة النائب هاشم محاميد ، وباقة من عشاق العودة الى اخوات سحماتا ، من البصة والغابسية ، من المنصورة ، وصفورية ، ومن حطين التي ترصع بالمجد جبين التاريخ .انه لقاء عمل لقاء امل ، لقاء تضامن . . . ان كل واحد منا ، كأنه يحمل وصية : اننا على العهد باقون ، والوطن فينا ، في القلب منا ، في حبات العيون . لن ننساكم ، ولن ننسى اننا جبلنا من هذه الارض التي منها جبلتم . ولن ننسى ابداً اخوة لكم عانقوا الثرى وهم في ارض الغربة . ولكننا نشعر ان ارواحهم ترفرف هنا وتطالبنا بأن نقوى على المأساة، وان تبقى جذوة حب الوطن متوقدة دوماً في نفوسنا وفي قلوبنا .

‏تجولنا في القرية ، بين معالمها واطلالها ، وانتابني مزيج من الحزن والغضب على ما اصاب قريتنا ؟ اين بيتنا الكبير الذي كان يتسع لاعراس البلد . . . اين صحن الدار الفسيح الذي كانت تتدلى فوقه عناقيد الدوالي ، وتلك البئر التي كانت تمتلئ من مآقي المزن في الشتاء .

 

‏اين تلك السورة امام البيت وهي تعانق النجوم ..اين التينة والخوخ والرمان والمشمشة وغيرها من ثمار الجنة تلف حقول البيت اين قفران النحل التي كانت تداعبها امي وهي جذلى ... اين "كبوش الدخان" واصابع ابي تلاطفها.

اين بيوت العز ، اين بيوت الاقارب والجيران ، واين بيوت كل اهلك يا سحماتا وهي تسلم عل الشمس في النهار ، وعل القمر والنجوم في الليل ، انها اكوام على هذه الرابية او تلك ، لم يبق فيها الا بقايا كنيسة ورميم جامع... المدرسة التحتا والتوتة التي في حضنها ، والمدرسة "الفوقا" التي تكتسي عنبراً ويمنطقها حزام من السرو ، لم يبق لهما اثر . القلعة التاريخية المبنية على تل مرتفع شرقا والتي عمل على ترميمها الشيخ ظاهر العمر الزيداني ، جاءت يد الغدر ومدرتها تدميراً . حجارة قريتنا الباقية حزينة ، وبلاطها صابر ، حاراتها مهدمة ومهجورة ، وبركها جافة ، حواكيرها ملتاعة وبيادرها التي كانت على طول المدى ، وكانت تطفح بالخير وتفتح ذراعيها للعرسان في تطوافهم اصبحت جريحة ، يلفها الاسى .

‏اما "مساطيح" الدخان و"العرزال فيها ز وذلك "الصرصار" الذي يسهر طوال الليل يغني على ليلاه ، اصبحت في خبر كان . عروق الزيتون التي كانت كعد النجوم ، وتجمل الفصول ، اتوا على اغلبيتها . الصبار والسماق والتين لم يبق منها الا القليل القليل ...

‏وأهالي البلد ، الذين كانوا في حالة اتفاق ووئام ، ويعملون بجد واجتهاد في عرس الوجود ، تفرقوا في كل زاوية من زوايا العالم وشفاههم عطشى لتقبيل تراب الوطن .

‏. . . وبلحظة ، تعود بك الذاكرة من عام 48  ‏الى عام 95 ‏. . . تنظر امامك فتراك تسبح في بحر من الاصرار والامل ، تتطلع امامك ولا يسعك الا ان تعتز بهؤلاء الشيوخ الشباب الذي يمسك واحدهم الطورية كأنه يمسك ناصية الكون ، يريد ان يعمل شيئاً لبلده . واما الشباب فتراه  يفور شباباً وعيونه تقول " : سنكمل المشوار، فهو يشعر ان القضية اصبحت في عنقه ، وتغمرك السعادة عندما ترى طفلة كطلعة الفجر تريد ان تعمل شيئا ما لوطنها الموعود . او طفلاً يركض بخفة الغزال ويتنقل من هنا الى هناك يريد ان يقدم القهوة للموجودين . او آخر يسأل اباه ( وبراءة الاطفال في عينيه : ( بابا ، وينتا رايحين نرجع عا بلدنا ) .

‏واما ذلك الطفل الاسمر الذي ينتقل على ذراعي ابيه ، ويبدو كنقطة طل على جفن زهرة ، يتطلع الينا كأنه يقول " : ارجعوا لنا هذا الفردوس المفقود "‏وان انسى ، لن انسى تلك الاخت التي عانقت شاهد اخيها الملقى جانباً واصبح يتململ تحت دموعها - أنها بعثت في كل منا صاعقة .

‏اجل ان المعركة طويلة وقاسية ، والقضية مقدسة ، وسنظل على امل ، وعزم واصرار ، حتى يأتي يوم ننشد فيه على خاصرتيك يا بلدنا ، واخوانك معنا ، وشعبنا يكون قد تخلص من الغربة والعذاب وحتى يتم فرحنا ... وعندها يكون لنا عيد ...

للاشتراك في نشرة الاخبار