اجتياح لبنان عام 1982

حرب 1982: هدف الكيان الإسرائيلي من حرب 1982 إلى ضرب المقاومة الفلسطينية في لبنان وتدمير بنيتها العسكرية، والقضاء على مشروع الثورة الفلسطينية بتحرير فلسطين من خلال الكفاح المسلح، وجرّها إلى مشاريع التسوية وفق الشروط والمعايير "الإسرائيلية"، خصوصاً وأن الأنظمة العربية هجرت الخيار العسكري أو لم تعد تراهن عليه. واستفاد الكيان الإسرائيلي من ظروف خروج مصر من الصراع العربي - الإسرائيلي بعد توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد في سبتمبر 1978، ومن انشغال العرب بالحرب العراقية ـ الإيرانية، فضلا عن الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي الذي ازداد قوة في ولاية الرئيس ريغان. وقد ادعى الكيان الإسرائيلي أن هدف الحرب هو تحقيق "سلامة الجليل" أي حماية المستوطنات اليهودية في شمال فلسطين المحتلة من الصواريخ والعمليات الفلسطينية. مع العلم أنه لم تحدث عمليات من هذا النوع منذ 24 يوليو 1981 وحتى 4 يونيو 1982. بينما قام الكيان الإسرائيلي في الفترة نفسها بخرق المجال الجوي اللبناني 2125 مرة، وخرق المياه الإقليمية اللبنانية 652 مرة، فضلاً عن بعض حوادث الانتهاك براً. بدأ الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان في 4 يونيو 1982 واشترك فيه 125-150 ألف جندي (من أصل 170 ألفاً هم قوام الجيش "الإسرائيلي" العامل) تساندهم 1600 دبابة، و1600 ناقلة جنود مدرعة، و600 مدفع وراجمة صواريخ، والقوات الجوية والبحرية، أي أنها كانت حرب اقتلاع للوجود العسكري الفلسطيني، في جو من الاطمئنان إلى عدم وجود أي تحرك عربي جاد، فتركت الحدود شبه فارغة مع البلاد العربية الأخرى. وقد تمكنت القوات "الإسرائيلية" من اجتياح جنوب لبنان ووسطه بسرعة كبيرة تساندها القوى الكتائبية، وفي يوم 9 يونيو كانت قد وصلت إلى مشارف بيروت. وقد حاولت القوات السورية المتمركزة في البقاع والشوف التصدي لها، لكن القوات "الإسرائيلية" تمكنت من تدمير شبكة الصواريخ السورية، وأسقطت في معارك جوية مائة طائرة عسكرية سورية فانكشفت القوات السورية البرية أمام الطيران الإسرائيلي، واضطرت القوات السورية للانسحاب بعيداً عن محاور القتال منذ 11 يونيو. وقد استمرت معركة بيروت 65 يوماً (9 يونيو - 12 أغسطس 1982). ووصلت القوات "الإسرائيلية" إلى طريق بيروت دمشق، ودخلت بيروت الشرقية في 11 يونيو حيث قصر الرئاسة في بعبدا، وحيث وجدت ترحيباً من تحالف القوات اللبنانية الكتائبية. وقد أكملت حلقة حصارها على بيروت الغربية في 14 يونيو حيث تجمع فيها نحو 12- 13 ألف مقاتل فلسطيني واللواء السوري الـ85. وقد قررت المقاومة الفلسطينية الصمود، وقدمت نموذجاً لملحمة بطولية، فشل العدو خلالها وعلى مدى شهرين من احتلال رقعة صغيرة هي منطقة بيروت الغربية، رغم شراسة القصف والحصار ومحاولات الاقتحام والهجمات براً وبحراً وجواً، واستخدام أحدث وأشد وسائل الدمار. وفي 30 يونيو كان قد استشهد نحو 15 ألف مدني من جراء الغزو الإسرائيلي. وقد اضطرت القوات "الإسرائيلية" للموافقة على وقف إطلاق النار في 12 أغسطس 1982، بعد أن فشلت في احتلال بيروت الغربية. غير أن القوات "الإسرائيلية" حققت أهدافها بشكل عام. إذ اقتضت الترتيبات خروج المقاومة الفلسطينية وقيادة م.ت.ف من لبنان بعد أن تجمعت في بيروت، مما أدى إلى خروج حوالي 11 ألف فلسطيني مقاتل (نحو 8300 من المنظمات الفدائية 2600 من جيش التحرير الفلسطيني و175 جريحاً) وذلك وفق ترتيبات تضمن سلامتها، وقد تم ذلك في الفترة 21 ـ 31 أغسطس 1982، حيث توجه المقاتلون الفلسطينيون إلى معسكرات في سوريا والعراق وتونس واليمن (الشمالي والجنوبي) والجزائر والسودان. ولم تحترم القوات "الإسرائيلية" تعهداتها، فقد اقتحمت بيروت الغربية بعد أسبوعين من خروج المقاومة الفلسطينية، وأشرفت بنفسها على تنفيذ قوات الكتائب والوطنين الأحرار وغيرهم من القوى المسيحية المتعصبة لمذابح صبرا وشاتيلا في 16- 18 سبتمبر 1982 والتي أدت إلى استشهاد نحو 3500 فلسطيني ولبناني من المدنيين الأطفال والنساء والشيوخ ... أَدّت حرب 1982 إلى استشهاد وجرح نحو 55 ألف فلسطيني ولبناني، وإلى تدمير معظم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في لبنان بحيث لم تعد تشكل خطراً جاداً على الكيان الصهيوني، ووجدت م.ت.ف نفسها بعيدة عن فلسطين، محرومة من العمل العسكري في دول الطوق وكسب تيار "الواقعية" في م.ت.ف دفعات جديدة باتجاه تبني الحلول السلمية، وأخذ تركيز م.ت.ف ينصب بعد ذلك على النضال السياسي. وعانت من محاولات فرض الهيمنة عليها أو تجاوزها، كما عانت من الاختلافات الداخلية، ووقع انشقاق في حركة فتح بزعامة أبو موسى. ورغم البطولات التي أبداها المقاتلون الفلسطينيون، فإن حرب 1982 كشفت عن اختراقات وترهلات ونقاط ضعف في جسد الثورة، كما دفعت إلى مراجعة الايديولوجية التي يجب أن ينبني عليها الصراع مع العدو. ولم تدم سعادة الكيان الصهيوني بتحقيق أهدافه، إذ سرعان ما ظهرت المقاومة اللبنانية ممثلة خصوصا بحزب الله، حيث حولت الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب توالت فيها العمليات اليومية وسقوط القتلى "الإسرائيليين". فقد جرى اغتيال الزعيم الكتائبي بشير الجميل الذي نصبته "إسرائيل" رئيساً على لبنان بعد أيام من انتخابه. وتم تدمير مقر القيادة العامة للقوات "الإسرائيلية" في صور في 12 نوفمبر 1982 حيث قتل 75 عسكرياً "إسرائيلياً"، وهوجم مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور في 4 نوفمبر 1983 وقتل 19 إسرائيلياً. وأفشلت القوى الوطنية الإسلامية الوجود المشبوه للقوات متعددة الجنسيات في لبنان، فدمرت السفارة الأمريكية في بيروت في 18 أبريل 1983 وقتلت 80 شخصاً، ودمرت مقر قيادة القوات الأمريكية في 23 أكتوبر 1983 وقتلت 239 جندياً. كما ضربت مقر قيادة القوة الفرنسية في 23 أكتوبر و21 ديسمبر 1983 مما أدى إلى مقتل 71 جندياً. وتمكنت المقاومة من إفشال الاتفاق بين الحكومة اللبنانية والكيان الإسرائيلي الذي وُقِّع في 13 مايو 1983، حيث تم إسقاطه في 5 مارس 1984، لأنه اتفاق ينتقص من الحقوق اللبنانية الكاملة في السيادة والاستقلال. كما أخذت المقاومة الفلسطينية تعود شيئاً فشيئاً إلى لبنان - وإن بدرجة أقل مما سبق - وتتولى القيام ببعض العمليات والدفاع عن المخيمات الفلسطينية وقد اضطرت القوات الإسرائيلية للانسحاب في 4 سبتمبر 1983 إلى خط نهر الأولي، ثم قررت في 14 يناير 1985 تحت الضربات القاسية للمقاومة إلى الانسحاب من كثير من المناطق على ثلاث مراحل أتمتها في يونيو 1985، وأبقت قواتها فقط في الشريط الحدودي، الذي عهدت بإدارته إلى عميلها إنطوان لحد. وهو شريط في جنوبي لبنان يتاخم الحدود مع فلسطين وبعمق 5 ـ 20كم داخل لبنان وقد توالت ضربات المقاومة للقوات الإسرائيلية وعملائها في هذا الشريط حتى تم تحريره في 24 مايو 2000

للاشتراك في نشرة الاخبار