لمحة تاريخية

 

ما تعرض له الشعب الفلسطيني عام 1948، لم يكن مجرد حدث عادي عابر في حياة شعب، لقد كان مأساة حقيقية ليس من السهل تجاوز نتائجها، فقد طالت جميع مجالات أو مناحي حياة الشعب الفلسطيني سواء: الاقتصادية، الاجتماعية، الديمغرافية وكان من أهم نتائجها المباشرة وما ترتب عليها، اقتلاع شعب من أرضه وتشريده في أصقاع العالم مع ما نتج / لحق ذلك من مآسي اجتماعية وإنسانية واقتصادية...الخ.

       لقد تسببت حرب 1948م في تدمير الكيان الفلسطيني الذي كان خاضعاً إلى ذلك الحين للانتداب البريطاني فقد قامت دولة إسرائيل بعد هذه الحرب على الجزء الأكبر (78%) من أرض فلسطين التاريخية، وخضع ما تبقي من الوطن الفلسطيني للسيطرة العربية، اختفى اسم فلسطين من الخارطة السياسية للمنطقة في أول ستنين بعد هزيمة 1948م، وظهر مصطلحان جديدان في القاموس الفلسطيني،  "قطاع غزة" في إشارة لما عرف آنذاك بـالأراضي الفلسطينية الخاضعة لإشراف القوات المسلحة/ للإدارة المصرية.  "الضفة الغربية"، في إشارة للأراضي الفلسطينية التي ضمت للإدارة العسكرية/ المملكة الأردنية الهاشمية إلى أن قامت إسرائيل باحتلال هاتين المنطقتين في أعقاب حرب 1967.

       سيطرت الحركة الصهيونية على 78% من أرض فلسطين، وتم طرد أغلبية الشعب الفلسطيني، أصحاب البلاد الشرعيين من وطنهم، فمن الناحية الديمغرافية أسفرت الحرب عن تدمير بنية المجتمع الفلسطيني وتشتيت السكان وتحويلهم إلى تجمعات من اللاجئين تقبع في ما تبقى من فلسطين، (الضفة الغربية، وقطاع غزة) وفي الدول العربية المجاورة، وقد ازدادت هذه المشكلة تعقيداً في أعقاب حرب 1967م. حيث أضيف مئات من اللاجئين الجدد الذين نزحوا عن الضفة والقطاع بسبب الحرب وفي أعقابها، إلى اللاجئين القدامى، ولا تزال حالة التشرذم الديمغرافي هذه، وما يترتب عليها من تشرذم سياسي واجتماعي واقتصادي، قائمة حتى يومنا هذا.

خلفية سياسية عامة:

في تجمعات الشتات، حافظ الفلسطينيون على درجة من التماسك الاجتماعي وعلى هويتهم الوطنية لأن أغلبيتهم عاشت في معازل خاصة بهم (مخيمات اللاجئين) وحتى تلك الشرائح التي اندمجت نسبيا/ انخرطت في المجتمعات المضيفة ظلت تحافظ على تمسكها بالهوية الفلسطينية وقد ساعد الفلسطينيين في الحفاظ على هويتهم الوطنية سياسات الدول العربية التي لم تسهل عملية الاندماج في هذه المخيمات.

قام الفلسطينيون في الضفة والقطاع وفي بعض أماكن الشتات "اللجوء" بعد حرب 1948م بسنوات قليلة، بمحاولات أولية لتنظيم أنفسهم سياسياً واجتماعياً، حيث انخرطوا في أحزاب وتنظيمات سياسية، وأسسوا الاتحادات الطلابية والعمالية والنسوية وغيرها.

وقد أدى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م. وقيام حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة عام 1967م، إلى اتساع وارتفاع وتيرة حالة التنظيم السياسي والاجتماعي في التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها وإلى المزيد من بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية. واليوم لا يزال أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يقبع في الشتات بانتظار حل نهائي دائم لمشكلته، وتشير التقديرات إلى أن عدد الفلسطينيين في الشتات بلغ في نهاية عام 2000م حوالي 4.5 مليون نسمة، حيث يتوزعون حسب مكان الإقامة بواقع 2.5 مليون في الأردن، وحوالي 494 ألف في لبنان، حوالي 456 ألف في سوريا، و51 ألف في مصر، وحوالي 545 ألف في باقي الدول العربية، كالعراق، ليبيا، السعودية، الكويت، ودول الخليج الأخرى، والدول العربية الأخرى، وحوالي 223 ألف في الولايات المتحدة الأمريكية، و 284 ألف في الدول الأجنبية المختلفة(71) ويقيم الجزء الآخر داخل الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي (3.150) مليون نسمة، منهم أكثر من مليون ونصف لاجئ، في حين يقيم حوالي (1113000) مليون داخل إسرائيل نفسها(72) . منهم حوالي 258.750 ألف لاجئ، لقد أدى تشتت الشعب الفلسطيني داخل فلسطين (الضفة، القطاع، إسرائيل) وخارجها وخاصة في (الأردن، لبنان، سوريا) إلى نشوء "مجتمعات" فلسطينية تتفاوت في خصوصياتها: الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، وفي علاقاتها المجتمعة أيضاً ولكن هذه "المجتمعات" واصلت نضالها من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الثابتة التي شكلت قاسماً مشتركاً لهذه التجمعات الفلسطينية. وعلى هذه الأرضية جاء تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية تلبية وتجسيداً للتطلعات الوطنية الفلسطينية ولتوفر إطاراً جامعاً لنضالات الفلسطينيين، "ولتجسر الفجوات التي تحققت بين الخصوصيات الفلسطينية ووقف تناميها في المواقع المختلفة(73) ، وقد خضعت التجمعات الفلسطينية في الشتات لترتيبات قانونية وسياسية متباينة ففي الأردن مثلاً:

تحول الفلسطينيون إلى مواطنين أردنيين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، أما في لبنان فقد عزلوا وعوملوا معاملة اللاجئين وحرموا من آية حقوق سياسية. وفي سوريا حافظ الفلسطينيون على هويتهم الوطنية، ولكنهم تمتعوا قانونيا وسياسياً بنفس الحقوق التي تمتع بها السوريون.

بالرغم من حالة التنظيم السياسي والاجتماعي التي قامت في صفوف الفلسطينيين في الشتات، وعلى الرغم من وجود أغلبية منهم في تجمعات بشرية (كمخيمات اللاجئين)، ورغم التفاوت النسبي في درجة اندماجهم/ انخراطهم وتكيفهم في المجتمعات المضيفة وحفاظهم في أماكن تواجدهم المختلفة على هوياتهم الوطنية وانخراطهم في منظمات ونشاطات خاصة بهم، فقد شكلوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمعات التي عاشوا فيها، فهم لم يشكلوا تكوينات اجتماعية اقتصادية خاصة بهم، ورغم هذه الازدواجية، ظل الفلسطينيون مسؤولين أمام السلطة السياسية القائمة في الدول التي مكثوا فيها، ويجب عدم الخلط بين هذا الواقع وبين حالات استثنائية ومؤقتة تجاهل فيها الفلسطينيون "الدولة" أو السلطة الشرعية القائمة، وتمردوا عليها بشكل غير قانوني، كما حدث في الأردن عام 70/1971م عندما دخلت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة في صدام/ صراع دموي مع النظام الهاشمي، أو في حالة الحرب الأهلية في لبنان عام 75/ 1976 .

قد أدى أنشاء دولة إسرائيل إلى "تقطيع أوصال المجتمع الفلسطيني وتفتيته وتشتيته في مواقع جغرافية متباعدة، وأصبحت الصلة بين التجمعات الجديدة غير متيسرة بالضرورة ...

وأخذت المواجهة والصراع الذي ميز مسيرة المجتمع منحي جديداً، وبرزت خصوصيات فلسطينية اقتصادية واجتماعية في مجتمعات الشتات(74) . أما ما تبقي من الفلسطينيين في إسرائيل (داخل مناطق ال48) فقد تحول هؤلاء إلى أقلية بعد أن كانوا جزءاً من أغلبية عظمى للسكان، وعمدت إسرائيل إلى أحداث ثلاثة كتل رئيسية معزولة ومنفصلة بعضها عن بعض داخل حدودها: المجتمع البدوى في الجنوب، منطقة السبع "النقب" ومجموعة قرى المثلث، والوجود الفلسطيني في الجليل، وجعلت من التفاعل بين هذه التجمعات والمعازل وكذلك من مكوناتها من القرى والتجمعات السكانية الأخرى أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكن، وميزت في تعاملها مع الفلسطينيين بين البدو وأخوانهم الآخرين، والدروز، وميزت بين المسلمين والمسيحيين، بل وبين منطقة جغرافية وأخرى.

الآن، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على النكبة ماذا عن الفلسطينيين الذين لجأوا إلى إحدى المناطق التالية: (الضفة الفلسطينية، قطاع غزة، الأردن، لبنان، سوريا وغيرها)، ولازالوا يقطنون المخيمات؟

 

للاشتراك في نشرة الاخبار