النكبة - جريمة العصر


أخذت المشكلة الفلسطينية تسير بخطى سريعة تجاه دروة الكارثة . ففي 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947، أجازت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارا يوصي بتقسيم فلسطين الى دولة يهودية ودولة فلسطينية، مع وضع نظام دولي خاص للقدس وضواحيها فضلا عن انشاء اتحاد اقتصادي بين الدولتين اليهودية والفلسطينية. وذهل الفلسطينيون وغيرهم من العرب من هول الصدمة بالقدر نفسه الذي تهلل فيه الصهاينة والمتعاطفون معهم.

المعارضة الفلسطينية للتقسيم

اقدمت الدول الاعضاء في الامم المتحدة ، التي ناصرت فكرة التقسيم وعززتها، على اتخاذ هذا الموقف وهي على علم كامل بالمعارضة الفلسطينية والعربية الشديدة لهذا الاجراء. وكان الفلسطينيون قد ضحوا بارواح نحو اربعة الاف من ابنائهم ، في سبيل الكفاح ضد التقسيم، من سنة 1937 حتى سنة 1939. كما أن الجامعة العربية –منذ انشهائها- قد حذرت من اتخاذ قرار التقسيم وكانت خطة التقسيم التي اخذت بها الامم المتحدة مبينة على البرنامج الصهيوني الذي اعتمده الرئيس الامريكي ترومان في اوائل اب / اغسطس 1946. أما من وجهة النظر الفلسطينية، فقد كان قرار التقسيم صهيونيا في اصله ومفهومه، كما أنه فصل تفصيلا ليلبي الحاجات والمطالب الصهيونية. وكان فوز قرار الامم المتحدة بـ 33 صوتا في مقابل 13، مع امتناع 10 عن التصويت وتغيب احد الوفود، راجعا –الى كير- الى الضغط الهائل الذي مارسته الولايات المتحدة (ومن ذلك ، التدخل الشخصي للرئيس ترومان) على الدل الاعضاء للتصويت بالموافقة . وما من شك في ان الاتحاد السوفياتي اقترح في مصلحة قرار التقسيم ايضا، لكن لا لشئ الا لإنهاء الحكم البريطاني في فلسطين. ومما له مغزاه، ان القرار لم يفز بأية اصوات افريقية او اسيوية ، باستثناء ليبيريا والفلبيين. فقد اقترعت ضده الهند وباكستان وتركيا وأفغانستان، في حين امتنعت الصين. وامتنعت عن التصويت ايضا دول كثيرة في أميركا اللاتينية (ومنها المكسيك) . بل ان المندوب الكندي ذكر ان بلده يؤيد قرار التقسيم "بقلب حزين وكثير من الريب" أما المملكة المتحدة، فقد امتنعت عن التصويت بخجل وحياء زائفين .

وكان التقسيم في نظر الفلسطينيين  بمثابة اجراء يقدمون بموجبه التضحيات كلها، بينما يجنى الصهيونيون المغانم كلها وكانت اسباب معارضتهم للتقسيم هي نفسها الاسباب التي اعلنوها سنة 1937، مع الفارق ان قرار التقسيم الذي اصدرته الامم المتحدة منح الدولة اليهودية المقترحة اراضي تفوق 100% تقريبا الاراضي التي ورد ذكرها في خطة 1937. بالمساحة التي خصصت للدولة اليهودية، طبقا لقرار الامم المتحدة سنة 1947 ، كانت اكبر من المساحة التي خصصت للدولة الفلسطينية المقترحة ذاتها (5500 ميل مربع في مقابل 4500ميل مربع) . في الوقت الذي لم يكن اليهود يشكلون فيه اكثر من 35% من السكان ، او يمتلكون اكثر من 7% من الارض . وفي حدود الدولة اليهودية المقترحة ، لم تكن ملكية الارض اليهودية تتجاوز، في واقع الاخر ، 600 ميل مربع من اصل المساحة الكلية البالغة 5500 ميل مربع. كما تقرر ان تدخل في نطاق الدولة اليهودية المقترحة جميع الاراضي المزروعة بالحمضيات تقريبا (وهي مقسمة بالتساوي، من حيث الملكية ، بين اليهود والفلسطنيين) ، و80% من الارض المزروعة بالحبوب (وكلها ملك لفلسطين) ، و40% من مجموع الصناعات الفلسطينية . كما تقرر قطع الصلة تماما بين يافا وهي الميناء الفلسطيني الرئيسي على البحر الابيض المتوسط، وبين اراضي الدولة الفلسطينية. كما تقرر ان تفقد غزة صلاتها التقليدية بالمساحات الشاسعة من اراضيها الزراعية المنتجة للقمح والشعير في النقب. وكان من شأن القرار ايضا فصل المئات من القرى عن الحقول والمراعي ، ومنع الاتصال المباشر بين الدولة الفلسطينية والبحر الاحمر من جهة، وسوريا من جهة اخرى. اما الاتحاد الاقتصادي بين الدولتين، والذي كان احد شروط التقسيم ، الحيث عنها. كانت اول خطة

الحيث عنها. كانت اول خطوة اتخذتها للوفاء بالحاجات الدفاعية الفلسطينية. وهي تأليفها في ايول / سبتمبر 1947 ، ما يعرف باللجنة العسكرية الفنية، برئاسة اللواء اسماعيل صفوت ، وكان رئيسا سابقا لاركان القوات العراقية، وذلك للابلاغ بالمتطلبات الدفاعية الفلسطينية. وكان اول تقرير لرئيس اللجنة ، في 8 تشرين الاول / اكتوبر ، واقعيا لا يبشر بالتفاؤل. فقد قدر بالضبط قوة الصهاينة، وأكد انه ليس لدى الفلسطينيين شئ يقارب –ولو من بعيد- حجم القوات الصهيونية، "لا في القوى البشرية ولا في التنظيم او السلاح او الدخيرة" وحث اللواء اسماعيل صفوت الدول العربية على "تعبئة كامل فوتها" في الحالن وتشكيل قيادة عامة. ثم حذر من ان الفلسطينيين هم في ضائقة كبيرة. وقد تمثلت ردة الفعل الوحيدة للجامعة العربية، تجاه تقرير اللواء صفوت، في اتخاذها قرارا في 15 تشرين الاول / اكتوبر بتخصيص مبلغ مليون جنيه استرليني للجنة الفنية. وفي 27 تشرين الثاني / نوفبمر ، وقبيل اصدار قرار التقسيم ، حذر اللواء صفوت مرة اخرى فائلا : لقد بات المستحيل التغلب على القوات الصهيونية سابتخدات قوات غير نظامية ... وليس ي استعطاعة الدول العربية ان تتحمل حربا طويلة ... وناشد الدول العربية ان تكفل التفوق في الرجال والعتاد وان تتصرف باقصى سرعة . ولم تكن الجامعة العربية راغبة في مجابهة بريطانيا ، التي اكدت انها ستظل مسؤولة بمفردها عن ادارة فلسطين الى حين انتهاء الانتداب في 15 ايار / مايو 1948. وفي الوقت نفسه ، منى العرب انفسهم ، في كثير من العواصم العربية (وهو من رصيد ما تبقى من الثقة بانصاف الدول الغربية) ، بأن عدالة القضية الفلسطينية سوف تلقى الاعتراف والتقدير على نحو ما ، وان الدول الغربية لن تسمح بان يصيب الفلسطينيين سوء . لكن مع التدهور السريع للوضع الامني في فلسطين، لم تستطع الدول العربية ان ترجئ التصرف ، ولا سيما بعد صدور قرار التقسيم .

ففي كانون الاول / ديسمبر 1947 ، قررت الجامعة العربية تزويد اللجنة العسكرية الفنية بعشرة الاف بندقية، لوضعها في تصرف قوة تتالف من ثلاثة الاف مقاتل غير نظاميز وقد تشكل من هؤلاء، فيما بعد، جيش الانقاذ، وقوامه من المتطوعين من عدة دول عربية ، منهم خمسمئة من فلسطين. وقد تقرر ايفاد وحدات جيش الانقاذن بعد تدريبها في دمشق ، الى المناطق الفلسطينية المهددة . وكان تشكيل جيش الانقاذ بمثابة حل وسط لجأت اليه الجامعة العربية ن وارتضت إمساك  العصا من السوط بين الاعتماد التام على الدبلوماسية والنوايا الغربية الطيبة من ناحية ، وبين الاجراء الجدي الذي دعا اليه اللواء اسماعيل صفوت من ناحية اخرى .

وقد اخذ القتا يتصاعد في فلسطين ، بصورة مثيرة ، منذ قرار التقسيم الذي اتخذته الامم المتحدة في تشرين الثاني / نوفمبر . وبحلول كانون الثاني / يناير 1948 ، كانت منظمتا الارغون وشتيرن قد لجأتا الى استخدام السيارات الملغومة (التي كانت موجهة ضد البريطانيين اصلا) . وما ان حل شهر اذار / مارس ، حتى اخذ المقاتلون الفلسطينيون غير النظاميين يردون على خصومهم بالمثل . وواجهت هجمات الهاغاناه على القرى والاحياء السكنية هجمات فلسطينية على المسعمرات الصهيونية، والعكس بالعكس . وبلغ عدد القتلى والجرحى –في العاشر من كانون الثاني / يناير – 1947 شخصا من الجانبين . وعلى الرغم من ان الفلسطينيين كانوا اضعف من الناحية العسكرية ، فانهم قاموا ببسالة . وكان ذلك راجعا الى حد ما الى استماتتهم. لكن عزز جانبهم ايضا يفضل تسلل عدد صغير من وحدات جيش الانفاذ من سوريا، في اثناء الفترة ما بين كانو الثاني / يناير واذار / مارس ، وهو ما شد عضد الفلسطينيين على تثبيت اقدامهم ، فيرجع لى ان العمليات العسكرية للهاغاناه كانت لا تال تمارس في نطاق خطة ايار / مايو 1946 ، بمعنى ان الزعامة الصهيونية لم تكن قد بدات تنفيذ "خطة دالت" وكان الصهاينة متحرجين من تنفيذ هذه الخطة، لانها كانت تتطلب درجة كبيرة من التعبئة العسكرية للهاغاناة وكلما ازدادت العتبئة ازدادت فرص المواجهة مع بريطانيا، التي كانت تزعم انها السلطة الشرعية في جميع انحاء البلاد حتى الخامس عشر من ايار / مايو.

وفي الوقت نفسه ، كان لظهور حالة من التأزم العسكري في فلسطين ، ولارتفاع ارقام الخسائر في الارواح في الجانبيين ، وتزايد معدل اشتراك وحدات جيش الانقاذ في القتال ، اثر سياسي كبير في واشنطن والامم المتحدة . وبدأ يتبلور في اذار / مارس اتجاه بعيد عن فكرة التقسيم ، وذلك في شكل دعوة أصدرتها ادارة الرئيس الاميركي هاري ترومان الى الامم المتحدة ، لاعادة النظر في قرار التقسيم ، وللتفكير في انشاء نظام وصاية بدلا منه. وادى اقتراح الولايات المتحدة الى اثارة انزعاج شديد في اوساط الصهاينة، الذين عارضوه بمنتهى الشدة . وكان انزعاجهم اعمق اثرا لان خط اتصالهم نصيرهم الاكبر ، قد انقطع لغضبه عليهم من شدة ضغطهم عليه .

استداد القتال واجتماع الرئيس الاميركي ترومان بالزعيم الصهيوني حاييم وايزمن

رفض الرئيس الاميركي هاري ترومان ، طوال عدة اشهر في ربيع سنة 1948 ، ان يلتقي اي زعيم صهيوني اميركي ، وذلك بسبب الضغط المكثف الذي مارسه عليه الصهاينة الاميركيون منذ قرار التقسيم . وقد ينضح مدى شدة الضغط الصهيوني الذي تسبب بجفاء ترومان من واقع ان سنة 1948 كانت سنة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة . ففي 8 اذار / مارس ، اعلن برومان ترشيح نفسه للرئاسة . وفي 18 اذار / مارس ، وافق خايرا على لقاء الزعيم الصهيوني البريطاني المخضرم حاييم وايزمن. وكانت الزعامة الصهي 08;نية في فلسطين قد اوفدت وايزمن الى الولايات المتحدة ، لاجراء مثل هذا الاتصال على ارفع المستويات .

وتم الاجتماع سرا في البيت الابيض بين ترومان ووايزمن. ومع ان بومان كان قد وافق على توصية وزارة الخارجية الاميركية بفرض الوصاية على فلسطين ، الا انه لم يكن على ما يبدوا قد استوعب مغزى هذه التوصية وكان الصهاينة وفتها عن مفترق طرق، فلم يكن قد بقي الا شهران على انتهاء مدة الانتداب. واذا لقي اقتراح الوصاية (الذي قبلته الجامعة العربية) التأييد الكامل من جانب الرئيس الاميكري ، فان معنى ذلك ارجاء اقامة الدولة اليهودية الى اجل غير محدد. ومن جهة اخرى كانت "خطة دالت" الهجومية التي وضعها الصهاينة قد اتكملت وفي انتظار التنفيذ ن في حين كان جلاء البريطانيين يتم بخطى مطرظع، مثلما كانت تتم التعبئة العسكرية الصهيونية وكان انتهاء الانتداب في 15 ايار / مايو كفيلا يخلق فراغ قانوني من شأن الدول العربية ان تستفيذ منه. ومن هنا كان لا بد من ان تصبح الدولة اليهودية حقيقة واقعة قبل هذا التاريخ . لكن لم يكن في الامكان اقامة هذه الدو 1604;ة من دون تنفيذ خطة دالت. وعلى هذا ، كان الزعماء الصهينة يسعون لمعرفة موقف ترومان شخصيا من اقامة الدولة اليهودية في مثل تلك الاحوال .

ولم يخيب ترومان امل وايزمن فهو يقول في مذكراته: عندما ترك (وايزمن) مكتبي خالجني شعور بانه توصل الى فهم كامل لسياستين وبأني اعرف ما يرد  وكما يؤكد ابا ايبين : لقد اعرب الرئيس لزائره عن التزام محدد ، ينطوي على سعيه م اجل اقامة دولة يهويدة والاعتراف بها ، بحيث تكنن منطقة النقب جزءا منها وما من شك في ان وايزمن اسرع في ابلاغ هذه الانباء الى تل ابيب وان الزعامة الصهيونية لم تجد صعوبة كبرى في فهم مغزاها.

وفي 19 اذار / مارس ، اي بعد يوم واحد من اجتماع ترومان – وايزمن، اقترح وارن اوستن ، كبير اعضاء الوفد الاميركي في مجلس الامن الدولي من دن علم منه بالاجتماع المذكور وما تمخض عنه وقف اجراء التقسيم ، والدعوة الى عقد الجمعية العامة للبحث في مشروع الوصياية ورحبت الوفود العربية بهذا الاتفتراح الاميكري ، وهي على غير دراية ايضا باجتماع ترومان – وايزمن ، واحتفلت الصحف العربية بهذه المناسبة . لكن اللواء صفوت، ريس اللجنة العسكرية الت تتولى قيادة جيش الانقاذ ، لم تكن تراوده اية اوهام ، قد حذر بتاريخ 23 اذار / مارس وعيناه على ارض الواقع في فلسطين ، من ان المبادرة العسكرية في معظم انحاء فلسطين قد باتت في ايدي الصهاينة ... وأن حامياتنا القوية نسبيا في كل من يافا والقدس وحيفا تقف الان موقف الدفاع ...

الصهاينة ينفذون "خطة د" (دلت) الهجومية

دخلت "خطة د" (دلت) مرحلة التنفيذ خلال الاسبوع الاول من نيسان / ابريل. واستمرت عملياتها المتنوعة والكثير في الاتضاح بصورة مدمرة خلال الاسابيع السنة المتبقية على انتهاء الانتذاب . وارتبطت هذه العمليات معا في شكل حلقات مسلسلة في منطقة واحدة ، في حين تزامن غيرها معا في مختلف انهاء البلاد. و 76;دات الحرب النفسية الصهيونية ، الهادفة الى دفع المدنيين الى الفرار ، تتناغم وتتسق مع العمليات العسكرية ، فاشتملت على البث من الاذاعة ومكبرات الصوت (المحمولة على مركبات) ، ونشر الشائعات بالكلمة المنطوقة والمكتوبة

في نيسان / ابريل شنت ست عمليات كبرى ، كانت اثنتان منها –عملية نحشون (5 – 15 نيسان / ابريل) وعملية هارئيل (15 -20 نيسان / ابريل) – تهدفان الى احتلال وتدمير القرى الفلسطينية على امتداد طريق يافا – القدس ، وبالتالي تقسيم الجزء الرئيسي من الدولة الفلسطينية (التي اقترحتها خطة التقسيم). وحارب القرويون ورجال المقاومة الفلسطينيون باستماتة على امتداد الطريق كله ونشبت معركة مثيرة لاحتلال قرية القسطل الجبلية ، الواقعة على بعد خمسة اميال من القدس حارب الفلسطينيون بامرة قائدهم الشهير عبد القادر الحسيني، وتبادل الجانبان السيطرة على القرية عدة مرات. واستشهد عبد القادر يوم 9 نيسان / ابريل وهو يقود هجوما مضادا ناجحا .

وفي الوقت الذي كانت فيه المعركة محتدمة لاحتلال هذه القرية ، نفذ افراد من منظمتي الارغون وشتيرن مذبحة دير ياسين، حيث قتلوا 245 شخصا من اهلها المدنيين ، على مسافة نحو ثلاثة أميال من قرية الفسطل . وتعتبر مذبحة دير ياسين من الامثلة المروعة لـ "التنافس" بين الهاغاهاناه (المسؤولة عن تنفيذ خطة دالت) ومنظمة الارغون اليمنيية. وفي الوقت نفسه قام فوزي القاوقجي، القائد الميداني الجيش الانقاذ، بشن هجوم ماد على مسعمرة مشامار هعيمك ال الجنوب الشرقي من حيفا. وفد تم صد هذا الهجوم ، ومني القاوقجي بهزيمة مروعة . وفي 10 نيسان / ابريل عقدت لجنة فلسطين ، وهي عبارة عن جهاز تنسيق سياسي رفيع المستوى كانت الجامعة العربي قد شكلته ، اجتماعات لدراسة الكوارث الاربع التي وقعت ، وهي : اشتشهاد عبد القادر الحسنيني ، وسقوط قرية الفسطل، ومذبحة دير ياسين ، وهزيمة القاوقجي في مقوعة مشمار هيمك. وتدارس الزعماء العرب باهتمام، اول مرة ، ضرورة تدخل الوحدات العسكرية النظامفية التابعة لدولهم، بعد اتضاح فشل رجال المقاومة الفلسطينية وجنود جيش الانقاذ . لكن الكوارث تقاطرت الواحدة تلو الاخرى، قبل ان يستجمع الزعماء العرب شجاعتهم .

وفي 18 نيسان / ابريل أعلن البريطانيون فجأة اسنحابهم من مدينة طبرية في شمال فلسطين، على الرغم من اصرار بريطاينا على أنها كانت لا تزال السلطة الشرعية في فلسطين حتى انتهاء فترة الانتداب . وقد ادى هذا التراجع البريطاني الى تمهيد الطريق أمام احتلال قوات الهاغاناه لطبرية وقضائها في اليوم نفسه ، وبذا اصبحت طبرية اول بلدة تقع في يد الهاغاناه. وتتابعت موجات اللاجئين النازحين في هلع صوب شرق الاردن وسوريا ، مما اثار شعورا بالصدمة والغضب في أنحاء العالم العربي كافة . وفي 21 نيسان / ابريل أعلن البريطانيون انسحابهم المفاجئ من حيقا، فسارعت قوات الهاغاناه الى القيام بعملية ميسباراييم لاحتلال المدينة ، التي سقطت في 22 – 23 نيسان / ابريل . وكانت حيفا اولى المدن الفلسطينية الكبرى الثلاث التي سقطت في يد الهاغاناه (وكانت الاخريان هما يافا والقدس) . وطرد الالاف من المدنيين المذعورين إما بالبحر الى لبنان ومصر ، واما بالطريق البري عبر الحدود اللبنانية .

وخلال الاسبوع الاخير من نيسان / ابريل ، شنت ثلاث عمليات كبرى في نطاق خطة دالت، في مختلف ارجاء البلاد.

1-  العملية الاولى هي عملية حامتس (25 نيسان / ابريل) لعزل واحتلال يافا والقرى المحيطة بها .

2-  العملية الثانية هي عملية يبوسي (26 نيسان / ابريل) لاحتلال الاحياء الكسنية الفلسطينية في القدس الغربية والشرقة خارج البلدة القديمة ، علاوة على القرى الواقعة في الضواحي الشمالية والشرقية.

3-  العملية الثالثة هي عملية يفتاح (28 نيسان / ابريل) لاحتلال الجليل الشرقي كله .

وبادرت منظمة الارغون الى ستباق الاحداث في عملية جامتس ، فشنت هجومها الخاص على مدينة يافا. وبنهاية نيسان / ابريل ، كان الهجوم المشترك للهاغاناه والارغون قد احاط بيافا احاطة كاملة ، مما اجبر معم هليها المتبقين على النجاة بطريق البحر الى غزة ومصر ، ولقي الكثيرون حتفهم غرقا. وقوبلت بالفشل عملية مستميتة للمقاومة نفذتها وحدة فلسطينية تابعة لجنيش الانقاذ، للتسلل الى يافا .

وحققت عملية يبوسي أهدافها داخل حدود القدس الغربية والشرقية. وتم احتلال جميع الاحياء السكنية الفلسطينية، ومنها القطمون والطالبية والبقعة الفوقا والبقعة التحتا. وطرد الاهالي في هذه المناطبق اما الى رام الله وبيت لحم ، واما عبر الحدود الى شرق الاردن. وواصل البريطانيون – باعتبارهم السلطة الشرعية في البلاد- احتلالهم لبض الجيوب في القدس، واستمروا في رقع العلم البريطاني على المقر الرسمي للمندوب السامي، الواقع على مرتفع الى الجنوب من المدينة ، وهو عبارة عن تل عرف تاريخيا – وبتعبير ملائم في محله- باسم تلة المشورة الشريرة. ولم تصادف عملية يبوسي نجاحا في القرى الواقعة شمالي القدس (النبي صموئيل) وشرقيها (جبل الطور) ، حيث ابدى رجال المقاومة الفلسطينيون وجنود جيش الانقاذ مقاومة باسلة.

أما عملية يفتاح ن فقد ابتدأت طورها الاول باحتلال القرى الوافعة في جوار بلدة صفد في الجليل في شمال فلسطين. وكان نمط الهجوم واحدا في العمليات الثث ن اذ اتسم بالقصف العشوائي الشديد بمدافع الهاون، التي كان رجال الهاغاناه يحتفظون بمخزون كبير منها، والذي تلاه هجمات منسقة باستخدام المشاة والمركبات المدرعة. واعتماد الصهاينة كثير على شن حرب نفسة في الوقت ذاته. وقد نجم انهيار المقاومة الفلسطينية عن ضعف القيادة ن وانعدام الكفاية في مضمار ترتيبات الدفاع المدني، والتفاوت العسكري الكبير بين الجانبين في مجال التخطيط وعدد الافراد وقوة النيران . وما ان حلت نهاية نيسان / ابريل ، حتى كان المجتمع الفلسطيني قد تمزق ، فقد بدأ عشرات الالوف من اللاجئين عملية نزوح جماعي بطريق البر، في حين لجأ الالاف الى الهرب بحرا . ولم يكن في استطاعة الحكومات العربية ان تتجاهل اكثر من ذلك ضغط الرأي العام عليها من اجل ايفاد جيوشها النظامية لشد عضد الفلسطينين. وفي 30 نيسان / ابريل ، عقدت الجامعة العربية اجتماعا في عمان حضره الزعماء العرب، واستدعوا رؤساء اركان جيوشهم للتشاور معهم في أمر تغير الاحداث بسرعة في فلسطين. وكان ذلك اول اجتمتاع من نوعه يحضره القادة العسكريون العرب. وراى العسكريون ، وقد قدروا القوة الصهيونية بدقعة ، ان الحد الادنى من القوة العسكرية المطلوبة للتغلب على الهاغاناه ، هو ست فرق سوتة اسراب جوية . على ان القادة السياسيين كانوا غير راغبين في اقناع انفسهم بهذا التقدير العسكري. وكان واضحا انهم ضلوا يأملون بتدخل الدول الغربية في اللحظة الاخيرة ، وان مجرد عرض القوة العسكرية من جانب الدول العربية كان كافيا لحدوث هذا التدخل. ومن هنا ، اعتبر القادة السياسيون تقديرات خبرائهم العسكريين مبالغا فيها ولا مبرر لها. فما كان في استطاعة الزعماء العرب ان يفكروا في اي تدخل من جانب الجيوش العربية، قبل انتهاء الانتداب البريطاني رسميا في 15 أيار / مايو . وعندما حان وقت التدخل ، لم يجهز للقتال الا قوة عسكرية تقل عن نصف الحد الادنى الذي قدره القادة العسكريون اصلا، وصدر اليها الامر بالتحرك.

وفي الوقت نفسه ، مضت قيادة الهاغاناه في تنفيذ خطة دالت. ففي 8 – 9 ايار / مايو ، شنت الهاغاناه عملية مكابي لاحتلال وتدمير القرى المتبقية في السهل الاوسط بين الرملة واللطرون شرقا . وفي 11-12 ايار / مايو ، سقطت بلدة صفد في شمال فلسطين، وطرد أهلها الى سوريا ولبنان . ولقيت بلدة بيسان جنوبي بحيرة طبرية المصير نفسه في 12 ايار / مايو، وطرد أهلها الى  سوريا وشرق الاردن . وفي اليوم نفسه ، شنت الهاغاناه عملية براك في الجنوب لاحتلال وتدمير القرى المفضية الى النقب . وطرد اهالي تلك القرى الى تلال الخليل.

ولم تقبل مصر، اقوى الدول العربية، قرار التدخل العسكري الا يوم 12 ايار / مايو . وعندها اذن رئيس وزرائها، اخيرا ، لضغط الرأي العام العربي والاسلامي، فطلب موافقة مجلس النواب على تدخل مصر عسكريا. اما الدول العربية الاخرى، التي كانت قد وافقت فعلا على التدخل العسكري، فكانت العراق وسوريا ولبنان وشرق الاردن. لكن قرار الدول العربية بالتدخل جاء متأخرا جدا، بحيث لم يكن له جدوى في مضمار الحيلولة دون تدمير المجتمع الفلسطيني. كذلك جاء متأخرا جدا ، بحيث ما كان في استطاعته منع اقامة الدولة اليهودية.

وفي 13 ايار / مايو ، وجه حاييم وايزمن رسالة الى الرئيس الاميركي ترومان ، يطلب فيها منه الايفاء بوعده الاعتراف بالدولة اليهودية. وفي 14 ايار / مايو، غادر المندوب السامي البريطاني مقره الرسمي في القدس متجها الى بلاده ، لينعم بحياة التقاعد الهادئة في انكلترا. وظهرت الدولة الجديدة الى الوجود بعد منتصف الليل بدقيقة واحدة بتوقيت فلسطين، وجاء اعتراف الرئيس برومان بدولة اسرائيل بعد ذلك بعشر دقائق وبذا تكون قد غرست بذور الشتات الفلسطيني والصراع العربي – الصهيوني.

 

 

للاشتراك في نشرة الاخبار