الشهيد عبد القادر الحسيني

كانت الوظيفة العسكرية أهم وظائف القرية لتميز موضعها بسهولة الحماية والدفاع،ومن هنا فقد سعى الصهاينة لاحتلالها في إطار خطتهم لفتح الطريق إلى القدس ،وهي الخطة المعروفة باسم خطة (نحشون) .

حتى آذار من عام ثمانية وأربعين كان الموقف العسكري في فلسطين يميل لصالح العرب ،الذين حققوا انتصارا ساحقا على الصهاينة في معركتين كبيرتين في منطقة القدس ،خلال آذار ،الأولى معركة شعفاط والثانية معركة الدهيشة.

حيث أدت المعركتان إلى تشديد الحصار على الصهاينة في القدس ،وانقطع اتصالهم تماما مع تل أبيب ،بسيطرة المجاهدين على كافة طرق القدس .

 

انصبت كل جهود الصهاينة على فتح طريق إلى القدس قبل أن ينتهي البريطانيون انتدابهم في فلسطين ،لتحقيق مكاسب على الأرض من ناحية ،والإفادة من الدعم البريطاني من ناحية ثانية ولمنع استسلام المحاصرين في مستوطنات القدس من ناحية ثالثة .

خصص الصهاينة خمسة آلاف من أفراد الهاغاناه والبالماخ والأرغون وشتيرن لتنفيذ الخطة ،وسلح هؤلاء بأسلحة حديثة وصلت للصهاينة من تشيكوسلوفاكيا .

 

حدد الصهاينة الموعد الأول للهجوم في مطالع أيار ،ثم وصلت معلومات إلى قيادة قوات الجهاد المقدس بأنه قد جرى تقديم الموعد إلىنيسان ،لذلك عقد كامل عريقات اجتماعا طارئا مع الشيخ حسن سلامة ،قائد الجهاد المقدس في يافا، ووضعا خطة لمجابهة الهجوم الصهيوني ،ثم عقد عريقات اجتماعا مع قادة جبهة القدس ،وهم إبراهيم أبو دية ،رشيد عريقات ،عبد الحليم الجيلاني ، بهجت أبو غربية ،خليل منون ،وفوزي القطب وغيرهم .

 

قرر المجتمعون بغياب عبد القادر الحسيني ،حشد كل قوات الجهاد في المنطقة،وتعزيزها بشباب القرى المسلحين ،ووزعوهم بسرعة فائقة ليلة الأول من نيسان على مراكز باب الواد دير محيسن ،وساريس والقسطل .

كما حشدوا قوات أخرى لصد أي هجوم يهودي بالالتفاف على القدس عن طريق بيت لحم ،بدأ الصهاينة هجومهم يوم الثاني من نيسان ،بعد أن قسموا قواتهم إلى قسيمن ،قسم اتجه نحو منطقة دير محيسن ،وقسم إلى ممر باب الواد لاقتحامه والاستيلاء على القسطل.

 

تمكن الشيخ حسن سلامة من استيعاب الهجوم الصهيوني في دير محيسن ،ورد الصهاينة على أعقابهم وبينما كان يستعد للتوجه إلى القسطل لإسناد المجاهدين هناك ،تجدد الهجوم على منطقته واستمرت المعركة حتى منتصف الليل وانتصر فيها المجاهدون .

استطاع القسم الثاني من المهاجمين الصهاينة وهو الأكبر اقتحام ممر باب الواد في معركة عنيفة مع المجاهدين ودخل الصهاينة القرية في منتصف الليل بعد أن تغلبوا على حاميتها المكونة من خمسين مجاهدا نفذت ذخيرتهم.

كانت قيادة الجهاد المقدس تعرف أهمية القسطل فانطلقت عشرات النجدات من القدس والخليل لطرد الصهاينة من القرية ،وفجر الرابع من نيسان تمكن المجاهدون بقيادة كامل عريقات من احتلال مشارف القرية ،ثم محاصرتها ،ومع وصول نجدات جديدة يوم الخامس من نيسان ،شدد المجاهدون هجومهم ،وأطبقوا الحصار على الصهاينة ،لكنهم افتقدوا الذخيرة الكافية لدحر المحتلين أو القضاء عليهم .

 

تدخلت مدفعية الصهاينة في محاولة لرد المجاهدين ،لكنهم مع ذلك استطاعوا التغلغل في القرية ،وأصبحوا على بعد مائتي متر من وسطها ،لكن إصابة كامل عريقات وذهاب إبراهيم أبو دية إلى إسعافه خلخل صفوف المجاهدين ،ووصلت نجدات للصهاينة ،كما وصلت نجدات للمجاهدين من القدس ،تمكنوا معها من الاحتفاظ بمشارف القرية من الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية ،رغم تدخل الطائرات والمدفعية الصهيونية بعنف شديد ،بل وقام إبراهيم أبو دية بقيادة المجاهدين في عمليات اقتحام داخل القرية حيث فجر عددا من مواقع المحتلين .

صباح السابع من نيسان وصل عبد القادر الحسيني من دمشق ،وبعد ظهر اليوم نفسه توجه إلى قيادة معركة القسطل التي أخذت طابعا أخر مع وصوله .

 

معركة القسطل واستشهاد عبد القادر الحسيني

 

ارتبطت معركة القسطل باسم شهيدها الأبرز المجاهد عبد القادر الحسيني .

ولد عبد القادر الحسيني في الثامن من نيسان عام ألف وتسعمائة وثمانية،واستشهد في اليوم نفسه من عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين .

قائد قوات الجهاد المقدس ،مقدام وذكي ومصمم وشهيد القسطل.

كان عبد القادر الحسيني قد غادر القدس متوجها إلى دمشق نهاية آذار من عام ثمانية وأربعين ،وذلك بهدف الاجتماع بقيادة اللجنة العسكرية لفلسطين التابعة لجامعة الدول العربية ،والحصول على السلاح اللازم لتنفيذ القدس والمحافظة على التفوق الذي حققه المجاهدون في معاركها .

 

ومع وصول أخبار معركة القسطل إلى المجاهد الحسيني ،فقد غادر دمشق على وجه السرعة متوجها إلى القدس ،وبدل نيل متطلباته الكثيرة والمتنوعة التي قدمها إلى اللجنة العربية العسكرية عاد بنصف كيس من الرصاص فقط .

من القدس توجه الحسيني إلى القسطل بسرعة فوصلها ظهيرة السابع من نيسان،وعمد على الفور إلى إعادة تنظيم صفوف المجاهدين ،وعين على الميمنة في الجهة الشرقية ،المجاهد حافظ بركات ،وعلى الميسرة من الجهة الغربية،الشيخ هارون بن جازي ،وفي القلب فصيلتان بقيادة إبراهيم أبو دية ،وفي موقع القيادة كان الحسيني ،وعبد الله العمري ،وعلي الموسوس إضافة إلى فيصلي استناد في الجهة المقابلة ،وبدأ الهجوم وفق هذا الترتيب ،لتتمكن قوات القلب والمسيرة من اكتساح مواقع العدو واستحكاماته الأمامية ،ولكن التقدم كان صعبا بسبب قلة الذخيرة ،وأصيب إبراهيم أبو دية مع ستة عشر من رجاله بجراح ،هنا اندفع عبد القادر الحسيني لتنفيذ الموقف ،فاقتحم القرية مع عدد من المجاهدين تحت وابل من نبران الصهاينة ومع طلوع فجر الثامن من نيسان ،وقع عبد القادر ومن معه في طوق الصهاينة ،فاندفعت نجدات كبيرة إلى القسطل ،كان من بينها حراس الحرم القدسي الشريف ،لكن هذه النجدات على كثرتها لم تكن منظمة .

 

عند الظهر ،تمكن رشيد عريقات من الإمساك بزمام القيادة ،فأمر بتوجيه نيران الأسلحة المتبقية جميعها على القرية لاقتحامها ،وبالفعل تمكن المجاهدون بعد ثلاث ساعات من الهجوم المركز من اقتحام القرية وطرد الصهاينة منها حيث فر من تبقى منهم ،بسيارات مصفحة باتجاه طريق يافا.

حاول قادة المجاهدين استثمار النصر ،بمطاردة فلول الصهاينة ،ولكن العثور على جثمان الشهيد عبد القادر الحسيني ،ترك في نفوس المجاهدين وقعا أليما ،وساد صفوفهم الارتباك ،وفقد القادة سيطرتهم على الأفراد ،الذين شرعوا في مغادرة القسطل لتشيع عبد القادر الحسيني وعند المساء لم يعد داخل القرية سوى رشيد عريقات وعبد الحليم الجيلاني ،مع عدد قليل من المجاهدين.

 

حاول القائدان استدعاء نجدات إلى القرية ولكن استشهاد الحسيني كان له وقع الزلزال فلم يستجب أحد ،وفي التاسع من نيسان،شيعت القدس في موكب مهيب جثمان شهيد القسطل ،الذي روي الثرى في الحرم القدسي .

وفي وقت متأخر من ليل اليوم نفسه ،انسحب عبد الحليم الجيلاني من القسطل ،مع من بقي معه ،فعاد الصهاينة لاحتلالها في اليوم التالي ..

 

وبينما انشغل المجاهدون في وداع قائدهم الكبير ،استغل الصهاينة الفرصة ليقترفوا المجزرة البشعة في دير ياسين.

كانت معركة القسطل رغم الظروف غير المتكافئة مثلا رائعا من أمثلة التضحية والحماسة والاندفاع ولكنها كانت أيضا انتصارا ضائعا نتيجة ضعف التسليح،والافتقار إلى التنظيم وقلة الذخائر وسوء الخدمات الطبية الميدانية ووسائل

الاتصال.

 

للاشتراك في نشرة الاخبار