حرب 1956

حرب 1956:

أحدثت حرب 1948 هزة كبيرة في الواقع العربي فتوالت الانقلابات العسكرية في سوريا، وأنهت ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 العهد الملكي في مصر، واغتيل الملك عبد الله ملك الأردن في 20 يوليو 1950، وقام الملك حسين بطرد رئيس أركان الجيش الأردني جلوب باشا وبتعريب الجيش الأردني في مارس 1956.

 

وقامت الدول العربية بعقد اتفاقية الدفاع المشترك في 13 أبريل 1950، أتبعتها بعدد من اتفاقات الدفاع الثنائية والثلاثية بين بعضها خلال سنتي 1955- 1956. وسعت مصر وسوريا إلى كسر الاحتكار الغربي لتصدير الأسلحة، فعقدتا كلٌّ على حدة سنة 1955 صفقات أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا.

 

ثم إن مصر كانت تسيطر على خليج العقبة، وزادت من فعاليتها الرقابية سنة 1955 على كل السفن التي تدخل هذا الخليج، ومنعت الملاحة "الإسرائيلية" فيه، وبذلك شلَّت الحركة التجارية لميناء "إيلات" نافذة الكيان الإسرائيلي إلى دول آسيا وشرق أفريقيا. كما فرضت مصر قيوداً - على مرور السفن في قناة السويس - من شأنها تشديد الحصار الاقتصادي على الكيان الإسرائيلي. كما نشطت العمليات الفدائية الفلسطينية عبر قطاع غزة ـ وبدعم مصري - ضد الكيان الإسرائيلي خلال الفترة 1955-1956. كل ذلك أثار مخاوف وانزعاج الكيان الإسرائيلي الذي سعى لاقتناص أي فرصة لتوجيه ضربة إلى مصر.

 

وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة قد عرضت على مصر قرضا مالياً لبناء السد العالي ذي الحيوية الكبرى للاقتصاد المصري. لكن رفض مصر لإقامة حلف بغداد (الذي انضمت إليه العراق وتركيا وإيران وباكستان) والذي استهدف ربط مصالح المنطقة بالقوى الغربية، ومواجهة "الخطر الشيوعي"، مع إبعاد الأنظار عن الخطر الصهيوني- الإسرائيلي الذي يربض في قلب المنطقة، أدّى إلى سحب أمريكا عرضها في 19 يوليو 1956. وحتى تقوم مصر بتوفير الأموال اللازمة لبناء السد العالي، أعلن جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 تأميم الشركة العالمية لقناة السويس. مما شكل ضربة كبيرة للمصالح الاقتصادية البريطانية. وكانت فرنسا - من جهتها - منـزعجة من الدعم المصري للثورة الجزائرية ضدها

 

وقد اتفق الكيان الإسرائيلي مع بريطانيا وفرنسا على توجيه ضربة إلى مصر، تؤدي للاحتلال الإسرائيلي لسيناء، والاحتلال البريطاني الفرنسي لقناة السويس. وقد انبنت الخطة، التي وقعت عليها الأطراف الثلاثة في سيغر (قرب باريس) في 23 أكتوبر 1956، على أن تبدأ القوات "الإسرائيلية" بشن هجوم واسع في 29 أكتوبر بهدف الوصول إلى قناة السويس. ثم تقوم بريطانيا وفرنسا بإصدار إنذار مشترك في اليوم التالي يطالب القوات المصرية والإسرائيلية بالانسحاب مسافة عشرة أميال (16كم) عن جانبي القناة، وبسماح مصر لبريطانيا وفرنسا باحتلال مؤقت لعدد من النقاط الرئيسية فيها، بحجة حماية الملاحة الدولية. وإذا ما رفضت مصر- وبالطبع سترفض -ستقوم القوات البريطانية والفرنسية بإنزال قواتها في القناة، والهجوم على مصر لإجبارها على الرضوخ.

 

بدأ الكيان "الإسرائيلي" هجومه في 29 أكتوبر 1956 بعملية إنزال جوي لقوات المظليين في ممر متلا على بُعد 65كم شرقي قناة السويس.وحدثت معارك محدودة شرقي القناة، لكن صدور الإنذار البريطاني الفرنسي في 30 أكتوبر، ورفض مصر له أوجد الذريعة التي يحتاجانها، فبدأت بريطانيا وفرنسا في 31 أكتوبر عدوانهما على مصر، وخصوصا المطارات والموانئ، وتم تدمير جزء كبير من الطيران المصري. وقررت مصر من جهتها التركيز على حماية القناة ومثلث بورسعيد - القاهرة - السويس، فأمرت الجيش المصري بالانسحاب من قطاع غزة وسيناء والتركز غربي قناة السويس. وتمكن الكيان الإسرائيلي دون صعوبة من احتلال غزة خلال 31 أكتوبر - 3 نوفمبر 1956، ومن احتلال سيناء خلال ثمانية أيام (29 أكتوبر - 5 نوفمبر 1956).

 

وصدر قرار الأمم المتحدة في 2 نوفمبر بإيقاف الحرب وانسحاب قوات الغزو البريطاني الفرنسي من الأراضي المصرية، وانسحاب الكيان الإسرائيلي إلى ما وراء خطوط الهدنة.ورغم أن هذه القوات تلكأت في تنفيذ القرار إلا أن الضغط السوفيتي - الأمريكي اضطرهما لذلك، فانسحبت القوات البريطانية-الفرنسية في 22 ديسمبر 1956، وأكملت القوات الإسرائيلية انسحابها في 6 مارس 1957. وقد تعهدت مصر في المقابل بمنع عمليات الفدائيين من قطاع غزة، ووافقت على وضع قوات دولية على حدودها. كما ضمنت "إسرائيل" بتعهد القوى الكبرى حق الملاحة البحرية في خليج العقبة، وكذلك الطيران الجوي فوقه.

 

كانت هذه الحرب إيذانا بانتهاء العهد الاستعماري البريطاني - الفرنسي في المنطقة، ووراثة أمريكا والاتحاد السوفيتي لحلبة التنافس فيها. ورغم أن هذه الحرب كشفت مدى تطور القوة العسكرية الإسرائيلية، وعجز الجانب المصري (في ظل المعادلات الدولية) عن حماية نفسه،فضلا عن تحرير فلسطين، فإن هذه الحرب جندت تعاطفا عربياً وإسلامياً واسعاً مع مصر، وأظهرت القيادة المصرية وخصوصا عبد الناصر "أبطالا" في المقاومة والدفاع عن الحقوق العربية، وبرز نجم عبد الناصر كأمل للجماهير العربية في النصر والتحرير.

للاشتراك في نشرة الاخبار