حرب 1967

حرب 1967:

لم يكن الكيان الإسرائيلي سعيداً بمساحة الأرض التي أقتطعها من فلسطين في حرب 1948، وكان يرغب في المزيد من التوسع لفتح الباب بشكل أكبر أمام الهجرة والاستيطان اليهوديين. كما كان يفتقد الشعور بالأمان في حدوده مع البلدان العربية التي يبلغ طولها 981 كيلومتراً، وكانت بعض المدن الساحلية تبعد حوالي 15كيلومتراً عن الحدود مع الضفة الغربية مما يسهل ضرب العمق "الإسرائيلي".

 

ومن جهة أخرى، فإن الإعلام العربي، وخصوصا المصري الناصري، كان يبالغ في الإمكانات العسكرية العربية، ويعد الجماهير العربية التي كانت تنتظر بصبر وحماس بإلقاء اليهود في البحر وتحرير فلسطين. غير أن الإستراتيجية العسكرية المصرية ظلت منذ حرب 1956 وحتى 1967 إستراتيجية دفاعية وليست هجومية، بخلاف ما كان يتحدث به الإعلام المصري صباح مساء. وحتى الخطة الدفاعية "قاهر" التي وضعتها القيادة المصرية في ديسمبر 1966 لم يطبق منها إلا جزء بسيط، إذ إن القسم الأكبر من ميزانية الدفاع كان يذهب إلى اليمن فلا يبقى إلا القليل لتحصين سيناء.

 

ولم تكن الأوضاع الداخلية العربية ولا العلاقات العربية ـ العربية لتبعث على السرور، فقد عانت الشعوب العربية من أزمات فقدانها للحريات السياسية، ومن الفساد السياسي والاقتصادي، ومن الإعلام الموجه، وعاش عبد الناصر هاجس ملاحقة الإسلاميين، وضربهم وخصوصاً الإخوان المسلمين. وتم تقديم البديل الإيديولوجي الاشتراكي - القومي والذي لم ينجح في خطط التنمية، ولا في تحقيق أساس نهضوي عربي، ولا في تفجير طاقات الأمة بشكل يتوافق مع عقيدتها وتراثها وثقافتها. وإذا كانت الجماهير العربية قد عاشت لحظات من النشوة والحماس عندما تحققت الوحدة المصرية - السورية (الجمهورية العربية المتحدة) في فبراير 1958، فإنها سرعان ما صدمت عندما حدث الانفصال في سبتمبر 1961. واستنـزف الجيش المصري والميزانية المصرية في حرب اليمن ودعم الثورة فيها منذ 1963. وقد شهدت البلاد العربية نوعا من التضامن السياسي الظاهري خلال 1964 ـ 1965، حيث بدأت مؤتمرات القمة العربية بالانعقاد منذ يناير 1964. غير أن الخلاف سرعان ما دب بينها منذ 1966 وعادت الحرب الإعلامية لتكون مادة الإذاعات والصحف خصوصا في دول الطوق. وقد صادق الرؤساء والملوك العرب في يناير 1964 على تشكيل القيادة الموحدة لجيوش البلدان العربية، وتم تعيين الفريق المصري علي علي عامر قائداً عاماً، لكن الخلافات العربية منذ 1966 عطلت عمل هذه القيادة، كما افتقد عدد من البلدان العربية للجدية في التعامل معها. فإما أنها لم تلتزم بأوامرها، أو أنها لم تدفع نصيبها في الميزانية، أو أنها رفضت دخول قوات عربية أخرى إلى أراضيها، مما عطل تنفيذ عمل هذه القيادة وخططها.

 

وكان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، وبدء حركة فتح عملياتها العسكرية منذ مطلع 1965 من العوامل التي دفعت الكيان الصهيوني لسرعة التحرك ومحاولة فرض واقع جديد، يضمن له التوسع والأمن، ويجر البلاد العربية إلى التسوية السلمية وفق الشروط "الإسرائيلية". وكان لقيام الكيان الصهيوني بمشروع تحويل مياه الأردن الذي بات معروفا للعرب منذ 1963، وضرب الصهاينة وتدميرهم لكل المشروعات العربية المقابلة لتحويل النهر، كان له أثره في ازدياد التوتر.

بدأ الكيان الصهيوني تصعيد الأوضاع قبل عام من الحرب، فهاجم قرية السموع قرب الخليل في الضفة الغربية، وقام بمذبحة راح ضحيتها حوالي 200 شهيد. كما حدث تسخين متبادل على الجبهة السورية حيث كان الصهاينة يقومون بطلعات جوية لقصف المواقع السورية، بينما كانت المدفعية السورية تقصف المستوطنات اليهودية المجاورة. وتزايدت التهديدات "الإسرائيلية" لسوريا، وتواترت الأخبار عن حشود "إسرائيلية" على الحدود السورية خصوصا في أوائل مايو 1967.

 

وقامت مصر، وفق اتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا، بالإعلان عن عزمها الدخول في الحرب منذ أول دقيقة إذا ما تعرضت سوريا للهجوم. وتبع ذلك إجراء مصري بطلب سحب قوات الأمم المتحدة عن خطوط الهدنة مع الكيان الإسرائيلي فانسحبت في 23 مايو 1967، وقامت مصر في 23 مايو بإغلاق مضائق تيران (خليج العقبة) في وجه الملاحة الإسرائيلية، مما كان يعني عملياً أن مصر تجهز "لمعركة المصير" مع الكيان الإسرائيلي. غير أن الفرقتين العسكريتين اللتين حركتهما مصر إلى سيناء لم يكونا يكفيان بالكاد للدفاع عن الحدود المصرية، فضلاً عن تحرير فلسطين. وبتعبير آخر فإن الإجراءات التي كانت تتخذ على الأرض لم تكن متوافقة مع المواقف السياسية الحادة ولا التصريحات الإعلامية النارية. وكرر الرئيس المصري قبل الحرب بأيام استعداد بلاده للحرب ... "إذا أرادت إسرائيل الحرب، فأهلا وسهلاً ... " لن نتركهم ليقرروا الوقت ويقرروا المكان ... علينا أن نستعد لننتصر ... وقد تمت هذه الاستعدادات ... ونحن على استعداد لمواجهة إسرائيل".

وكانت الولايات المتحدة تعلم تفصيلات الهجوم"الإسرائيلي" المرتقب، والذي أعطته الضوء الأخضر، وأسهمت في تضليل الجانب المصري حول الاستعدادات "الإسرائيلية"، واستطاعت الحصول على تعهدات مصرية بألا تكون مصر البادئة في الحرب. بل وصل الأمر بعبد الناصر أن يعلن بنفسه"نترك المبادأة والضربة الأولى لإسرائيل"،وبذلك ضمن الكيان "الإسرائيلي" أن يكون صاحب الضربة الأولى. وقدمت الولايات المتحدة ضمانات لـ"إسرائيل" بحمايتها إذا ما تعرضت للخطر، كما وفّرت لها المعلومات اللازمة من خلال وسائلها الاستخباراتية والأقمار الصناعية. أما الاتحاد السوفيتي الذي كان يُعدُّ حليفاً لمصر، فإنه ضغط أيضاً على مصر بألا تكون البادئة في الحرب،ولم يساعدها في الحصول على المعلومات اللازمة عن التحشدات الإسرائيلية.

 

كانت هناك قناعات كافية لدى "الإسرائيليين" والأمريكان والروس أن عبد الناصر لا يريد الحرب، بل وغير مستعد فعليا لها، على الأقل من خلال حساب تحركات الجيش المصري واستعداداته. لقد كان قرار الحرب "إسرائيلياً" وبغطاء أمريكي.

 

بدأت "إسرائيل" الحرب صباح 5 يونيو 1967 بقصف تسعة مطارات مصرية على شكل موجات متعاقبة بين كل موجة وأخرى عشر دقائق، وخلال ثلاث ساعات (8:45صباحا - 12ظهراً) كان قد تم تدمير 80% من الطيران العسكري المصري وهو قابع على المدرجات دونما حركة. ويشير حسين الشافعي، نائب الرئيس المصري في ذلك الوقت، إلى وجود "مؤامرة" أو"خيانة" على مستوى عال في الجانب المصري. ويدلّل على ذلك بأنه رأى بنفسه الطائرات العسكرية المصرية المدمرة وهي مصفوفة بجانب بعضها وكأنما كانت معدة للتدمير حسبما ذكره في حديث لبرنامج شاهد على العصر الذي بثه تلفزيون الجزيرة القطري في نوفمبر 1999 .

وعلى أي حال، فقد تم إخراج سلاح الجو المصري من المعركة منذ الساعات الأولى، كما تم تدمير معظم سلاح الطيران السوري والأردني بنفس الطريقة، ومنذ الساعات الأولى للحرب مع الأردن وسوريا. وبذلك فقدت الجيوش العربية غطاءها الجوي، وأصبحت وحداتها العسكرية البرية ودباباتها ومدرعاتها فريسة سهلة للطيران "الإسرائيلي".

 

وقد تمكنت القوات البرية "الإسرائيلية" منذ ظهر 5 يونيو من اختراق الحدود المصرية، وتغلبت على المقاومة المحدودة التي واجهتها في غزة ورفح وخروبة وأبو عجيلة وبير جفجافة وغيرها،وتقدمت باتجاه قناة السويس. وفي الساعة الثامنة من مساء اليوم الثاني للمعركة (6يونيو) أصدر القائد العام للقوات المصرية عبد الحكيم عامر أمراً بالانسحاب من سيناء، على أن يتم خلال ليلة واحدة‍‍‍!!

 

وأعلنت مصر مساء 7 يونيو قبولها لوقف الحرب، وأبلغته إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بينما استكملت "إسرائيل" احتلالها لسيناء في 8 يونيو 1967.

 

وفي الجبهة الأردنية بدأت المعارك في 5 يونيو بعد أن دمرت الطائرات الإسرائيلية 32 طائرة هوكر هنتر (هي كل سلاح الطيران الأردني) في مدرجاتها في مطاري عمان والمفرق. وحدثت معارك في مناطق القدس وجنين وقباطية والخليل،ومع مساء 6 يونيو كانت الدفاعات الأردنية قد انهارت، وصدرت الأوامر بالانسحاب إلى شرق الأردن وفي 7 يونيو كان الكيان الإسرائيلي قد أنهى احتلاله للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. ودخل جنوده حرم المسجد الأقصى وهم يهزجون"محمد مات ... خلف بنات" أي يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرخون "يالثارات خيبر" معلنين انتقامهم لهزيمة اليهود على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر سنة 629م - 7هـ، قبل نحو 1340سنة .

 

 أما المعارك على الجبهة السورية، فبدأت في 9 يونيو بعد فراغ القوات الإسرائيلية من جبهتي مصر والأردن، وانتهت في 10يونيو باحتلال الصهاينة الجولان السورية. وكان ذلك صدمة كبرى لما تتمتع به الجولان من مزايا استراتيجية وإمكانات تحصينية هائلة بوصفها منطقة جبلية، ولأن القيادة السورية كانت تتوعد الصهاينة بمصير أسود إذا اندلعت الحرب، بل وصل الأمر بإعلامها حدّاً جعل أحد أهازيجه تقول إن طائرات الميغ "تتحدى القدر" بينما ظهر مقال في افتتاحية مجلة جيش الشعب السورية في 25 أبريل 1967 يدعو إلى "خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد ... الذي يؤمن أن الله والأديان ... وكل القيم التي سادت المجتمع السابق، ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ"!!! لقد كانت الاستهانة بعقيدة الأمة وتراثها إشارة إلى حالة الخواء وضعف إرادة القتال التي يعانيها هؤلاء.

 

كانت هذه هي المعركة - الكارثة التي انتظرتها الجماهير العربية بشوق وشغف مدة 19 عاما، وصحت على هول الصدمة التي نبهتها إلى حجم التضليل والخداع الذي كان يمارسه الإعلام العربي وقياداتهم السياسية.

 

وفيما يلي قائمة بما أمكن معرفته من خسائر الأطراف المشاركة في الحرب، فقد كانت خسائر القوت المصرية حوالي 10 آلاف من القتلى والمفقودين، وأسر 5500، ودمرت 80% من أعتدة الجيش المصري بينها 800 دبابة، و450 مدفعاً، 10 ألاف مركبة 305 طائرات (من أصل 360 طائرة) وخسرت القوات الأردنية 6049 قتيلاً و792 جريحا و150 دبابة، وخسرت القوات السورية حوالي ألف قتيل و560 أسيراً و60 طائرة (من أصل 120 طائرة) و70 دبابة، كما استولى الصهاينة على 150 دبابة. وبلغ عدد قتلى القوات الإسرائيلية حسب هيرتزوج 764 منهم 338 على الجبهة المصرية و285 على الجبهة الأردنية و141 على الجبهة السورية. وبلغ عدد الجرحى الصهاينة (حسب الموسوعة الفلسطينية) حوالي 800 على الجبهة المصرية، و1453 على الجبهة الأردنية، و306 على الجبهة السورية.كما خسر الصهاينة 26 طائرة قتال و10 طائرات نقل على كل الجبهات

أما أبرز نتائج حرب 1967 فكانت:

1. احتلال "إسرائيل" لما تبقى من فلسطين أي الضفة الغربية (5878 كم مربع)، وقطاع غزة (363 كم مربع)، واحتلالها لسيناء المصرية (61198كم مربع) والجولان السورية (1150كم مربع)، ليصبح مجموع الأرض التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني 89359 كم مربع.

2. تشريد نحو 330 ألف فلسطيني.

3. سيطرة الكيان الإسرائيلي على منابع مياه الأردن، وفتح مضائق تيران وخليج العقبة للملاحة "الإسرائيلية".

4. تشكيل الكيان الإسرائيلي لخطوط دفاع جديدة، وتوفير عمق إستراتيجي يَسهُل الدفاع عنه بشكل أفضل.

5. فرضُ احتلال جديد للأراضي العربية، جَعَلَ هدف العرب فيما بعد استرجاع هذه الأراضي المحتلة سنة 1967، وليس تحرير فلسطين المحتلة سنة 1948.

6. تدمير القوات العسكرية لمصر والأردن وسوريا.

7. انكشاف ضعف القيادات العربية،وانعدام التنسيق فيما بينها، وعدم جديتها في تحرير فلسطين.

ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة وتعاظمها وبروز الهوية الوطنية الفلسطينية التي قرّرت أن تأخذ زمام المبادرة بعد أن تبين لها مدى الضعف العربي.

للاشتراك في نشرة الاخبار