حرب 1973

حرب أكتوبر 1973:

أحدثت حرب 1967 جُرحاً غائراً في الكرامة العربية، فحاولت الأنظمة العربية استيعاب الصدمة وتوقي غضب الجماهير، فاجتمع الزعماء العرب في الخرطوم في 29 أغسطس - 1 سبتمبر 1967 معلنين أن لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بالكيان الإسرائيلي،وتعهدت الدول العربية بدعم دول الطوق لإعادة بناء قواتها المسلحة. ووجدت الأنظمة العربية نفسها - راضية أو راغمة - تفتح المجال للعمل الفدائي الفلسطيني، الذي نشط بقوة خصوصا في الفترة 1967- 1970 عبر ساحات دول الطوق. ودخلت مصر وسوريا في حرب استنـزاف مع الكيان الإسرائيلي خصوصا في الفترة من أغسطس 1968 إلى أغسطس 1970، أسهمت إلى حد ما في إعادة الثقة ورفع المعنويات لدى الجيشين المصري والسوري، بعد أن تمت مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والقيام بعدد من الهجمات التكتيكية. وحسب هيرتزوج فقد خسر الصهاينة في حرب الاستنـزاف نحو 500 قتيل و2000 جريح.

غير أن حرب الاستنـزاف لم تؤد إلى تسخين الوضع بما يكفي لتدخل دولي يجبر الكيان الإسرائيلي على الانسحاب. مما جعل تفكير قيادة الأنظمة العربية يتركز على شن حرب محدودة محسوبة الخطوات، لعلها تعيد الوضع إلى حدود ما قبل حرب 1967 سواء بنصر عسكري أو بضغط دولي ينشأ عن تحريك الوضع في المنطقة، بعد أن أرادت "إسرائيل" وأمريكا تجميد الوضع، ليحقق عامل الزمن أقصى درجات الفائدة للكيان الإسرائيلي.

 

لقد كان واضحا منذ البداية أن هدف العرب من حرب أكتوبر هو "إزالة آثار عدوان 1967"، وليس تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الصهيوني.

 

شكلت القيادتان السياسيتان المصرية والسورية "المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية - السورية المشتركة". وعينتا الفريق أول أحمد إسماعيل علي، القائد العام للقوات المسلحة المصرية، قائداً عاما للقوات المسلحة الاتحادية (مصر وسوريا)، ورئيساً للمجلس بدءاً من 10 يناير 1973. وتولى هذا المجلس الإعداد والتخطيط للحرب. وفي 25 فبراير 1973 اجتمع الرئيسان السوري والمصري في برج العرب غرب الإسكندرية واتخذا قراراً بالحرب. وقد سميت خطة الحرب"خطة بدر"، حيث انتُهى من إعداد تصوراتها في صيف 1973. وفي 24 سبتمبر 1973 لاحظ "الإسرائيليون" وجود استعدادات سورية - مصرية للحرب، وتم اتخاذ حالة التأهب الأدنى، وأخذت التقارير تتولى لدى القيادة "الإسرائيلية" لكنها كانت لا تزال تشك في جدية الهجوم وتوقيته، وقامت في 3 أكتوبر بدعوة الاحتياط، وأعلنت حالة التأهب في 5 أكتوبر. وتأكد لدى القيادة "الإسرائيلية" أن سوريا ومصر ستشنان الحرب في 6 أكتوبر لكنها كانت مترددة في توجيه الضربة الأولى. وعندما اندلعت الحرب في الساعة بعد ظهر 6 أكتوبر لم تفاجأ بها القيادة الإسرائيلية، لكن كان من الظاهر أنه كان لها وقع المفاجأة على القوات الإسرائيلية، خصوصا في قناة السويس، مما يدل على أن الإجراءات الإسرائيلية لم تكن جادة بما يكفي لدخول لحرب.

 

بدأت الحرب بهجوم 300 طائرة مصرية وسورية ضد المواقع الإسرائيلية، وفتحت آلاف المدافع في الوقت نفسه نيرانها على طول جبهات القتال في قناة السويس والجولان. واندفعت القوات المصرية لتحطيم خط الدفاع الإسرائيلي شرقي القناة "خط بارليف" في بضعة ساعات، رغم أنه يعد من أقوى وأعقد خطوط الدفاع العسكرية. ونجحت القوات المصرية خلال ثلاثة أيام في الزحف لمسافة 12- 15كم على الامتداد الشرقي لقناة السويس. غير أنها قامت في الفترة من 9-13 أكتوبر "بوقفة تعبوية" أدت لهدوء نسبي على الجبهة المصرية المشتركة. وحسب الخطة المصرية - السورية المشتركة كان ينبغي على القوات المصرية الاستمرار في الزحف للسيطرة على منطقة ممرات متلا والجدي بعمق 50كم تقريباً شرقي القناة، ثم تطوير الهجوم بعد ذلك شرقاً حسب تحسن ظروف القتال. لكن القيادة المصرية (التي كانت تشهد بعض الخلافات في الرؤى العسكرية) أخفت نيتها عن سوريا بالتوقف على عمق حولي 12 كم فقط، لأنها ترى أن شبكة الحماية الصاروخية المضادة للطائرات لا تكفي أكثر من هذا المدى لتغطية تقدم القوات المصرية. وبسبب الضغط السوري قامت القوات المصرية باستئناف هجومها في 14 أكتوبر لكنها منيت بخسائر جسيمة، ففقدت حوالي 250 دبابة، بعد أن ابتعدت عن المظلة الصاروخية، فقررت في نهاية اليوم العودة إلى مواقعها.

 

استفادت القوات الإسرائيلية من الوقفة التعبوية المصرية، ومن الجسر الجوي الأمريكي الذي زودها بكميات هائلة من الأسلحة المتطورة، فأعادت ترتيب قواتها، وأخذت زمام المبادرة الإستراتيجية. وقامت مساء 15 أكتوبر بتنفيذ خطة "القلب القوي" التي اشتهرت باسم "الغزالة"، والتي تُنسب إلى الجنرال أرييل شارون. وقبل فجر 16 أكتوبر تمكنت بقيادة شارون من اختراق الخطوط المصرية وعبور قناة السويس، وفتح "ثغرة الدفرسوار" غربي القناة، إلى الجنوب من مدينة الإسماعيلية. وعندما صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار كان أقصى عمق"إسرائيلي" غربي القناة يبلغ 25-30كم. غير أن القوات "الإسرائيلية" تابعت هجومها، فاستكملت تطويق قوات الجيش الثالث المصري شرقي القناة، واستولت على ميناء الأدبية جنوب غربي السويس، ووصلت إلى نقطة الكيلومتر 101، أي 101كم شرقي القاهرة. وتم توقيف إطلاق النار نهائيا في 28 أكتوبر 1973. ولولا المقاومة الشعبية البطولية للشيخ حافظ سلامة وإخوانه لسقطت مدينة السويس نفسها.

 

وعلى الجبهة السورية، حقق الهجوم السوري نجاحات أولية سريعة فاخترق خط الدفاع الإسرائيلي بعمق 20كم داخل هضبة الجولان، وجرت معارك ضارية، غير أن تفوق القوات الجوية "الإسرائيلية" ساعد القوات البرية على صد الهجوم السوري. وتحولت القوات الإسرائيلية إلى الهجوم المضاد في 8 أكتوبر، وبعد يومين كانت قد استعادت ما فقدته في الجولان. وأخذت تهاجم مناطق شمال شرق الجولان، وتمكنت من احتلال ما عرف "بجيب سعسع" الذي ذُكر أنه شمل 39 قرية سورية لم تكن محتلة من قبل وبمساحة 551كم مربع، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى مسافة 25كم من دمشق. ووصلت إلى سوريا قوات عراقية وأردنية للمساعدة، وقامت سوريا بالتجهيز لهجوم مضاد، غير أنه ذُكر أن موافقة مصر على قرار مجلس الأمن بوقف الحرب في 22 أكتوبر قد فاجأ السوريين، مما اضطرهم لإيقاف الحرب. وبعد ذلك استؤنفت حرب استنـزاف استمرت نحو 80 يوما (13 مارس ـ 31 مايو 1973) لتتوقف حين تم التوقيع على اتفاقية فصل القوات.

 

وعقدت مصر اتفاقية فك الاشتباك مع الكيان الإسرائيلي في 18 يناير 1974 نصّت على انسحاب القوات الإسرائيلية من غربي القناة إلى مسافة تبعد 20-30كم من شرقي قناة السويس، واحتفاظ مصر بقوات محدودة في الأراضي التي استرجعتها شرقي القناة (بعمق 8 - 12كم). وفي 21 فبراير 1974 كانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت من غربي القناة "ثغرة الدفرسوار". وعُقدت اتفاقية فصل القوات بين سوريا والكيان الإسرائيلي في 31 مايو 1974، وبناء عليها، انسحبت الإسرائيلية القوات من جيب سعسع (551كم مربع)، الذي احتلته في حرب 1973، ومن مدينة القنيطرة وبعض ما حولها، والتي احتلتها سنة 1967 (112كم مربع).

 

وقد أظهرت الدول العربية تضامناً قوياً مع مصر وسوريا في الحرب وأرسلت تسع دول عربية قوات عسكرية محدودة للمشاركة في الحرب. واستخدام العرب لأول مرة سلاح النفط، فقررت الدول العربية المنتجة للنفط في اجتماعها في الكويت في 17 أكتوبر 1973 تخفيض إنتاجها بنسبة 5% شهرياً وتطبيق حظر كامل على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة وهولندا. وفي 22 أكتوبر قرر وزراء النفط زيادة نسبة خفض الإنتاج إلى 25%. وحرصت الدول النفطية في قراراتها ألا تتضرر الدول المؤيدة للعرب من حظر النفط. وقد أدى حظر النفط إلى مواجهة الدول الغربية أزمة شديدة في الإنتاج والتصنيع وشئون الحياة اليومية، وولّدت مخاوف كبيرة من أزمات اقتصادية حادة في تلك البلدان. ولفتت انتباه مواطني الدول الغربية إلى دعم بلدانهم للظلم الذي يقع في فلسطين، وإلى انعكاسات هذه القضية على حياتهم اليومية. ورغم أن الحظر النفطي استمر أشهراً قليلة إلا أنه كان ذا تأثير فعال. واستفادت الدول العربية النفطية من تضاعف أسعار النفط مرات عديدة في مضاعفة إيراداتها وتحسين اقتصادياتها.

 

ولا تجنح المصادر العربية لذكر خسائر الحرب، وخصوصا خسائر الجانب العربي، وقد قدّرت مصادر غير عربية عدد قتلى الكيان الإسرائيلي بـ2552 قتيلا، والمصريين 7700 شهيداً، والسوريين 3500 شهيداً. وقال هيرتزوج إنه على الجبهة السورية قتل 772 "إسرائيلياً" وجرح 2453 وأسر 65، ودمرت 250 دبابة "إسرائيلية"، وأنه تم تدمير 1150 دبابة 222 طائرة سورية، أما على الجبهة المصرية فتم تدمير 292 طائرة مصرية،وقال إنه تم تدمير 102 طائرة إسرائيلية على الجبهتين السورية والمصرية. وقالت الموسوعة - الفلسطينية إن الإسرائيليين خسروا في الأيام الأولى خمسة آلاف قتيل و400 أسير و800 دبابة و120 طائرة.

وكان من أبرز نتائج حرب 1973:

1. كسر أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية، وإثبات إمكان استعادة أجزاء من الأراضي المحتلة على الأقل بالقوة العسكرية.

2. أخذ العرب زمام المبادرة، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي، وإثبات كفاءة وشجاعة المقاتل العربي.

3. تحقيق قدر عال من التضامن العربي، من خلال المشاركة العسكرية، ومن خلال استخدام سلاح النفط.

4. تحقيق شعور بالثقة بالنفس،وارتفاع المعنويات بعد سنوات من الهزيمة والإحباط.

5. استخدام الأنظمة العربية - خصوصا مصر - النتائج السابقة لتحريك الأوضاع السياسية، ومحاولة الوصول إلى تسوية سلمية مع الكيان الإسرائيلي، تضمن عودة الأراضي المحتلة سنة 1967.

للاشتراك في نشرة الاخبار