ظهور اللاسامية و نشوء المشكلة اليهودية

ظهور "اللاسامية" ونشوء المشكلة اليهودية: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة، إذ إن الوضع في روسيا أسهم بشكل أساسي في تفجير المشكلة اليهودية ، فلم يتفاعل يهود روسيا كثيراً مع حركة التنوير "الهسكلا"، وقاوموا عمليات الدمج والتحديث الروسية التي تميزت بالفوقية، والتي نفذت عن طريق القسر والإرهاب، والتي لم تعتمد المساواة أساساً لإنهاء انعزالية اليهود وحياة الجيتو. ثم إن الطبيعة اليهودية المحافظة المتشككة أسهمت في تفاقم الوضع هناك. كما أن مشاركة اليهود بفاعلية في قيادة الحركات الثورية اليسارية زادت من عداء السلطات القيصرية الملكية الروسية ضدهم، وانفجرت العداوة ضدهم بشكل مكشوف إثر اغتيال قيصر روسيا الكسندر الثاني سنة 1881، والتي اتهم فيها اليهود. فبدأت موجة من الإجراءات العديدة القاسية ضد اليهود سميت اللاسامية، أي توجيه العداء لليهود لكونهم ينتمون إلى العرق السامي، وصاحب هذه الإجراءات أحياناً أحداث دموية، مثل مذابح كيشينيف، ومن أمثلة القوانين التي أخذت تصدر تباعاً: حق السكان الروس في طرد اليهود من قراهم، واليهودي الذي يغادر قريته لا يسمح له بالعودة، ومنع تشغيل اليهود في المناطق الريفية، واليهودي الذي يهجر مهنته للعمل في التجارة يسقط حق إقامته في روسيا، وتحريم إقامة اليهود في موسكو، وحرمان اليهود من حق الانتخاب والترشيح لمجالس البلديات. وقد أدى كل ذلك إلى ظهور ما يعرف بـ" المشكلة اليهودية"، إذ إن ملايين اليهود أصبحوا يبحثون عن فرصة للخلاص مما هم فيه، كما تمكنوا من تحويل عواطف يهود أوروبا الغربية وأمريكا نحوهم، وبدأت أعداد هائلة من اليهود في الهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية[60].

 

وبلغ عدد اليهود الذين تركوا بلدانهم الأصلية (خصوصاً روسيا وأوروبا الشرقية)، خلال الفترات 1881- 1914، نحو مليونين و 367 ألفاً، تمكن 28 ألفاً منهم من النفاذ إلى فلسطين، رغم الإجراءات العثمانية لكبح هجرتهم[61]. ووجدت الحركة الصهيونية في هذه الأجواء فرصة خصبة للعمل بالدعوة إلى أنه لا يمكن حل مشكلة اليهود بمجرد الهروب منها (الهجرة)، و لكن الحل الجذري يكمن في إقامة كيان آمن مستقل يحكمه اليهود أنفسهم، و أيدت أوروبا الغربية هذه الفكرة تخفيفاً من عبء الهجرة اليهودية إلى أرضها، واستجابة لعواطفها الدينية البروتستانتية، وتحقيقاً لأهداف سياسية واستراتيجية أخرى.

 

وعلى ذلك فإن العداء لليهود في أوروبا أسهم بشكل لا يقل عن العواطف المؤيدة لليهود في تأسيس الحركة الصهيونية، لأنه أوجد مشكلة فعلية يجب السعي مباشرة وبسرعة لحلها، وقد تمكن اليهود من استثمار ذلك بشكل كبير، وكان على أهل فلسطين والعالم الإسلامية أن يدفعوا فاتورة مشاكل اليهود ومعاناتهم في أوروبا؟!!

للاشتراك في نشرة الاخبار