فكرة الدولة الحاجزة و اطعاف العالم الاسلا

فكرة الدولة الحاجزة وإضعاف العالم الإسلامي وإبقائه مفككاً: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة لما لهذا الأمر من أهمية استراتيجية كبرى لدى الدوائر الغربية، لكننا وضعناها في نقطة منفصلة لأن لها أبعاداً دينية وتاريخية وحضارية.

 

فقد عاش العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية ثلاثة عشر قرناً من الصراع والتنافس والحروب، سواء كان ذلك على الجبهة الإسلامية البيزنطية، أو الحروب الصليبية، أو الصراع على الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، أو الصراع العثماني الأوروبي، وبشكل عام كانت الكفة راجحة بأيدي المسلمين طوال أحد عشر قرناً، وكان الأوروبيون لا يكادون يفرحون بسقوط دولة مسلمة إلا وتظهر مكانها دولة أشد قوة، وما كانوا يسددون ضربة للعالم الإسلامي، إلا ويجدون أن المسلمين يستوعبون الصدمة ويقومون بحيوية متميزة برد الصاع صاعين وتحقيق نجاحات أكبر. فما أن انتهت دولة الراشدين التي فتحت الشام ومصر وأرمينيا من أيدي النصارى، حتى قامت الدولة الأموية التي فتحت شمال إفريقيا والأندلس وجنوب فرنسا. وبعد قيام الدولة العباسية تم فتح صقلية، واستوعب المسلمون صدمة الحروب الصليبية فقامت الدول النورية والأيوبية والمملوكية بتدمير الصليبيين ودحرهم. وجاء العثمانيون ليفتحوا آسيا الصغرى (الأناضول) والقسطنطينية، وليسقطوا الامبراطورية البيزنطية، ويفتحوا بلاد شرق أوروبا مما بدا رداً عملياً على سقوط الأندلس، وإبرازاً للحيوية الإسلامية المتدفقة، والتي ظلت على أَلَقها وريادتها حتى القرن الثامن عشر.

 

لقد كان هناك دائماً دولة للمسلمين تكون القوة الأولى في العالم، أو أحد القوى الكبرى على الأقل، ويبدو أن الضعف العثماني وتفكك قوة المسلمين وتأخرهم الحضاري، خصوصاً في القرن التاسع عشر، قد أعطى الغرب الأوروبي المثقل برصيد تاريخي من الخصومة والعداء فرصةً ذهبية لا تعوض، فكان السؤال البارز هو كيفية ضمان ألا تظهر قوة إسلامية كبرى تحل مكان الدولة العثمانية حال سقوطها، وتهدد من جديد مصالح الغرب ومطامعه؟؟، ولذلك كانت هناك فكرة الدولة الحاجزة التي تغرس في قلب العالم الإسلامي وعند نقطة اتصال جناح العالم الإسلامي في آسيا بجناح العالم الإسلامي في إفريقيا، بحيث يفصل بينهما كيان غريب معاد يمنع أي وحدة أو نهضة إسلامية محتملة، ويكون رأس رمح لضرب أي نمو حضاري قوي في المنطقة. أو على الأقل فإنه سيشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة معقدة تستنـزف طاقاته وجهوده وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك التبعية والضعف و الحاجة للعالم الغربي. وكما سيكون الغرب بحاجة ماسة لهذا الكيان لخدمة هذه الأهداف، فإن هذا الكيان سيكون بدوره بحاجة ماسة للغرب لضمان وجوده ونموه واستمراره، مما يوجد علاقة تحالف استراتيجي راسخ بين الطرفين يكون شعارها ضمان ضعف وتفكك وتخلف العالم الإسلامي.

 

وقد تكرست فكرة الدولة الحاجزة في توصية مؤتمر لندن الاستعماري الذي عقد سراً في لندن خلال الفترة 1905- 1907، بدعوة من حزب المحافظين البريطاني واشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ، والاجتماع والجغرافيا، والزراعة والبترول والاقتصاد، وناقش سبل تحقيق المصالح الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية وغيرها. ورفع المؤتمر توصياته إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك (كامبل بنرمان C. Bannerman) وقد أكد فيها أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة شرقي البحر المتوسط وعلى مقربة من قناة السويس، قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها، هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة.

 

وقد أدركت الحركة الصهيونية أن مشروعها في إنشاء دولة يهودية في فلسطين لن يكتب له النجاح إلا برعاية دولة كبرى وحمايتها، ولذلك عرضت مشروعها هذا في ضوء المصالح التي يمكن أن تجنيها القوى الاستعمارية الكبرى، وهو ما أكده رئيس المنظمة الصهيونية العالمية هرتزل لوزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلن عندما التقاه سنة 1902 وقال له إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين، والتي يمكن أن تكون "دولة حاجزة" بحيث تؤمن المصالح البريطانية.

وهكذا، فإن تضافر العوامل السابقة مجتمعة هيأ الظروف المناسبة لبدء المشروع الصهيوني وإكسابه طبيعة عملية لينشأ بعد ذلك ما يعرف بـ"القضية الفلسطينية".

 

للاشتراك في نشرة الاخبار