فلسطين في عهد الاسلام و الامويون

الإسلام والأمويون
قبل وقت طويل من ظهور الإسلام في القرن السابع ، كان قد حدث تمازج متصل بين المسيحيين في فلسطين والسكان العرب (وكان العديد منهم من المسيحيين أيضا) الى الجنوب والشرق. وكان النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وأتباعه يتجهون أول الأمر عند اقامة الصلوات ناحية القدس لا مكة. وقد أُسريَ بالنبي من مكة الى القدس، ومنها عرج الى السماء. وحتى يومنا هذا يحتفل العالم الإسلامي بأسره سنويا بهذه الرحلة الاعجازية لنبي الله ، وذلك في ليلة السابع والعشرين من رجب. وبعد قرون طويلة من هذا الحدث الفريد اصبح موضوع الاسراء مصدر إلهام للشاعر الايطالي دانتي (
Dante)، الذي استند اليه عند كتابه "الملهاة الالهية".

وقد استولى العرب على القدس من البيزنطيين سنة 637م. وأعرب عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عن احترامه للمدينة بأن تقبل بنفسه استسلامها ، وعامل أهلها برأفة واعتدال متميزين، وكتب لهم وثيقة أمان عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية، أعطاهم فيها "امانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم… فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله… ومن أقام آمن.." وشهد على ذلك خالد بن الوليد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان. وفي هذا يقول السير وليم فيتز جيرالد (
Fitzgerald sir William) : "لم يحدث قط في التاريخ المؤسف للفتوحات حتى تاريخ فتح القدس ، ونادرا منذ ذاك ، ان أظهر فاتح تلك المشاعر النبيلة السخية التي أظهرها عمر للقدس." (2) وقد اهتم عمر ، بنفسه ، بتحديد الأماكن التي ارتبطت بإسراء النبي ومعراجه ، وتم بصعوبة تحديد موقع الصخرة التي عرج منها نظرا الى أنها كانت مدفونة تحت أكوام من المخلفات، وأخذ يزيل هذه المخلفات بيديه ولما تم تنظيفها وتطهيرها أمّ المصلين بالقرب منها في جمع غفير من الصحابة والأنصار. ودعا بلال، مؤذن الرسول ، الى الصلاة. وكانت تلك أول مرة يؤذن فيها للصلاة بعد وفاة النبي ، صلى الله عليه وسلم. وأمر عمر بتعيين عبادة بن الصامت ، وكان من الصحابة الذين حضروا ذلك الاحتفال ، أول قاض للقدس. وقد توفي عبادة في المدينة في أثناء شغله هذا المنصب. وكان الاسم العربي الذي أطلق على القدس هو بيت المُقدَّس، كمقابل للبيت الحرام، وأصبحت ولاية فلسطين البيزنطية ولاية إدارية وعسكرية عربية أطلق عليها اسم "جند فلسطين " منذ ذاك.

ولقيت فلسطين التشريف والتكريم من الأمويين (661-750م) الذين كانت دمشق عاصمتهم. وكان معاوية (661-680م) ، مؤسس هذه السلالة، قد نصب نفسه خليفة في القدس. كما ان الخليفة الأموي الخامس ـ وهو عبد الملك (685-705م) ، شيّد المسجد العظيم الذي عرف باسم مسجد الصخرة ، فوق الصخرة نفسها التي عرج منها النبي عليه الصلاة والسلام. كما شيّد الوليد بن عبد الملك (705-715م) المسجد الأقصى المجاور. ويعتبر مسجد قبة الصخرة مزيجا مدهشا من العمارة البيزنطية والفارسية والعربية ، وهو اقدم صرح اسلامي لا يزال قائما، وعرفت المنطقة المحيطة بالمسجدين باسم الحرم الشريف. وكان تفضيل الأمويين لفلسطين والقدس مدفوعا بدافع سياسي الى حد ما ، لأن مكة المكرمة والمدينة المنورة كانتا في العقود الأولى في أيد خصوم بني أمية. لكن موقف الأمويين كان له أصل أيضا فيما ورد من الحديث الشريف في ذكر ثواب الصلاة في بيت المقدس وفضل الرحال اليها. وعلى هذا ، فحتى عندما دانت مكة المكرمة والمدينة المنورة بالولاء للأمويين سنة 692م ،نصب الخليفة السابع سليمان (715-717م) نفسه على كرسي الخلافة في القدس.

كما بنى مدينة الرملة في فلسطين ، واتخذها مقرا له ، وزانها بمسجد وقصر في غاية الفخامة. وبعد وقت طويل من انتهاء عهد الامويين ، ظلت للقدس جاذبيتها، وهو ما لاحظه وسجله الرحالة الفارسي ناصري خسرو، الذي كتب يقول بعد زيارته للمدينة سنة 1047م: "إنْ عجز أهل تلك البلاد عن التوجه الى مكة المكرمة لأداء ، فريضة الحج، فهم يذهبون الى القدس في موسم الفريضة".


للاشتراك في نشرة الاخبار