فلسطين و العباسيون

العباسيون
جاء العباسيون (750 ـ 1225م) في أعقاب الأمويين، واتخذوا من بغداد مقرا لخلافتهم. وبلغت الخلافة العباسية أوج سلطانها ونفوذها في غضون قرن من إنشائها. أما بعد ذلك ، فقد وقع الكثير من أراضي الامبراطورية تحت سلطان حكامها المسلمين، الذين كان ولاؤهم للخلافة العباسية اسميا. وظلت فلسطين ، طوال الشطر الأكبر من الفترة الواقعة بين انتهاء القرن التاسع والحملات الصليبية ، تحكم من قبل حكام مسلمين اتخذوا من القاهرة مقرا لهم.

وزار اثنان من الخلفاء العباسيين مدينة القدس ، وكانا وقتها في أوج سلطانهما . فقد قام المنصور ، ثاني الخلفاء العباسيين (754-775م)، بزيارة القدس مرتين، وأمر بإصلاح التلف الذي حاق بالمدينة بسبب زلزال كان قد أصابها. أما المهدي ، ثالث الخلفاء العباسيين (775-785م) ، فقد زار القدس خصيصا لأداء شعائر الصلاة في المسجد الأقصى، وقد امر المأمون ، سابع الخلفاء العباسيين (813-833م) ، بإجراء ترميمات كبرى في مسجد قبة الصخرة، تحت اشراف المعتصم (833-842م) شقيقه وخلفه، الذي كان آنذاك مندوب الخليفة في سوريا. ولقد بلغ تهافت العباسيين على الاقتران بالقدس درجة دفعتهم الى سلوك سخيف تمثل في إحلال اسم المأمون مع اسم الخليفة الأموي عبد الملك في النقوش المبينة لمشيّد المسجد.

وتكثر أوصاف فلسطين في القرون التي سبقت الحملات الصليبية ، في كتابات الجغرافيين العرب والمسلمين. فقد لاحظ اليعقوبي ، و هو من خراسان ، في 891-892م ، ان "بالقدس عددا كبيرا من العرب… ونسبة معينة من غير المسلمين، المسيحيين ،اليهود والسامريين." أما ابن الفقيه الهمذاني ، فقد حكى سنة 903م بعض الروايات عن القدس ، ووصف بالتفصيل مساجدها . كذلك قدم ابن عبد ربه (توفي سنة 940م)،وهو من قرطبة ، وصفا لمسجد قبة الصخرة ، علاوة عن النصب الإسلامي الأخرى في القدس ، على نحو ما فعل الاصطخري (ازدهر عمله سنة 950م)، وفي اثره ابن حوقل (توفي سنة 977م) ،وهو من أهالي القدس؛ فقد عدّد المنتوجات الرئيسية في فلسطين ، "التي كانت الحاصلات الزراعية منها وفيرة وممتازة، وهي تشمل الفواكه بأنوعها (ومن ذلك الزيتون والتين والعنب والسفرجل والبرقوق والتفاح والبلح والجوز واللوز والعنّاب والموز)، وكان بعضها للتصدير. كذلك هناك الحاصلات التحضيرية (ومنها قصب السكر ، والنيلة ، والسماق). ولكن الموارد المعدنية مهمة ايضا: فهناك الصلصال الطباشيري … والرخام من بيت جبرين ، والكبريت الذي يعدّن من الغور [وادي الأردن]، ناهيك بالملح والقار من البحر الميت. أما الأحجار التي تكثر في البلاد فهي أكثر مواد البناء استعمالا في المدن المهمة".

واقتفاء لأثر الخلفاء ، من عمر ومن تلوه ، حج الى القدس آلاف الاتقياء والصالحين. وكان للقدس أثرها في اجتذاب أتباع الحركة الصوفية منذ بدايتها في القرن الثامن. فنجد ،مثلا ، ان رابعة العدوية (نحو 717-801) التي خصص لها المقام الأول في قائمة الأولياء المسلمين الصالحين ، والتي دعت الى "التوبة والصبر والعرفان بالجميل وخشية الخالق واختيار حياة الفقر والتوكل التام على الله سبحانه وتعالى"، قد ارتأت ترك مدينتها البصرة في العراق ، كي تحيا وتتعبد وتموت في القدس. كما اجتذبت القدس، الى جانب الحجاج والمتصوفة ، سيلا متدفقا من العلماء والباحثين. وكان من هؤلاء كبار العارفين بالتفسير والحديث ، وسائر العلوم العقلية والنقلية ، الذين توافدوا على المدينة ليكتبوا ويحاضروا في مساجدها وعشرات المعاهد العلمية الملحقة بها.

وكان ابو حامد الغزالي حجة الإسلام (1058-1111م) أعظم أولئك الأئمة. فهو الذي يحتل مركز الصدارة في قائمة علماء الفقه والكلام المسلمين، ومن أكثر مفكري الإسلام أصالة. فقد فضل الغزالي ان يترك عمله كمحاضر في المدرسة النظامية في بغداد سنة 1095م، ليتخذ القدس مقرا له ، حيث بدأ العمل في تحفته العظيمة "احياء علوم الدين" ، وهو كتاب جليل يسعى فيه للتوفيق بين العقلانية والصوفية والاستمساك بالشريعة. ولم يقتصر هذا الكتاب على إحياء الفقه الإسلامي ، وانما ترك أثره أيضا في الفكر اليهودي والمسيحي ، بعد ان تُرجم بعض اجزائه الى اللاتينية. كذلك اتم الغزالي وهو في القدس ـ وبطلب من تلاميذه ومريديه ـ الرسالة القدسية ، وهي موجز لأسس العقيدة الإسلامية اصبح فيما بعد جزءا من كتاب الإحياء.

وكان عمر رضي الله عنه قد سمح للمسيحيين، كما أسلفنا ، بالتعبد في كنائسهم بالقدس من دون ازعاج. والتزم من جاؤوا بعده هذه السياسة التزاما شديدا ، باستثناء ما حدث في عدد من وقائع التعصب ضد المسيحيين في القدس سنة 966م (والتي اشترك فيها اليهود مع المسلمين)، وأيضا في سنة 1009م . غير ان قيام المسيحيين بالحج الى الأماكن المقدسة استمر بلا انقطاع. ووافق الخليفة العباسي ، هارون الرشيد ، (786-809م) على طلب شارلمان إقامة نزل للحجاج المسيحيين في فلسطين ، كما سمح للراهبات بالخدمة الدينية في القدس.

وكان اليهود قد منعوا من العيش في القدس ، بقرار من الرومان في عهد هادريان ، ثم بأمر من البيزنطيين المسيحيين . وأغلب الظن ان يكون الأهالي المسيحيون قد طلبوا من عمر ، خلال تفاوضهم في امر تسليم المدينة له ، إدراج فقرة في عهدته تنص على منع اليهود من الاقامة في القدس. غير ان خلفاء عمر خرجوا عن شروط المعاهدة، فيما يختص باليهود، وبدأوا ـ بالتدريج ـ يسمحون لهم بالاقامة في المدينة. والظاهر ان أول ذكر لوجود معبد يهودي في القدس هو ما ورد في كتاب ناصري خسرو سنة 1047م .

للاشتراك في نشرة الاخبار