الحروب الصليبية و الحملات المضادة لها

الحروب الصليبية والحملات المضادة لها
انقطع تسلسل الحكم العربي والإسلامي لفلسطين بتأثير الغزو الصليبي ، وإقامة مملكة القدس اللاتينية (1099-1187م) . لكن الحملات المضادة للصليبيين ، بقيادة السلطان صلاح الدين الأيوبي (توفي سنة 1193م) وخلفائه ، استمرت حتى سنة 1291م، حين استرد المسلمون آخر المعاقل الصليبية في قيصرية وعكا . وقد قام الصليبيون ، بعد دخولهم القدس ، بتعذيب واحراق وذبح الآلاف من المسلمين العزّل (من الرجال والنساء والاطفال)، فضلا عن العدد القليل من الأهالي اليهود الذي التجأوا الى معبدهم. وبالمقارنة بذلك ، نجد ان دخول صلاح الدين الى القدس (1187م) ، وهو في اوج قوته العسكرية ، قد اتسم بالتوقير والإجلال للمدينة، وبالعطف والرأفة على سكانها المسيحيين ، على نحو ما اظهره عمر قبل خمسمئة سنة. وكما قال ستانلي لين ـ بول: "لئن كان استرداد القدس هو الشيء الوحيد الذي يعرف به صلاح الدين ، فهو امر كاف للتدليل على انه كان أكثر اتحي عصره ، وربما العصور كافة ، فروسية ورحابة صدر" .

وكانت أولى المهمات التي قام بها صلاح الدين ، بعد دخوله القدس ، تطهير قبة الصخرة والمسجد الأقصى مما علق بهما من دنس. وعلى مدى اسبوع كامل ، ظل وجهاء القوم وعامتهم يعملون ،جنبا الى جنب ، لغسل الجدران والأرضيات ورشها بماء الورد. وأعيدت الى اقارب وأسلاف الأهالي المسلمين في القدس (الذين أصبحوا لاجئين بسبب الفتح الصليبي للمدينة) ممتلكاتهم. وفي الحالات التي لم تعرف فيها هوية المالكين، سلمت المباني الى العشائر العربية المعروفة. وأدخل صلاح الدين نظام "المدرسة" في القدس ، وأوقف مالا على مدرسة من هذه المدارس عرفت باسمه ،وهي الصلاحية. كذلك اوقف مالا على مستشفى ورباطين للعلماء والمتصوفة. أما الجنود الذين استشهدوا في حملته ، فقد دفنوا بأمره خارج بوابة الرحمة عند الجانب الشرقي للحرم الشريف. وفي سنة 1193م، شيّد الأفضل بن صلاح الدين مسجد المغاربة بالقرب من بوابة المغاربة، عند الجانب الغربي من الحرم. وكانت تلك هي البقعة التي قيّد فيها النبي محمد ، عليه الصلاة والسلام ، مطّيته "البراق" بعد إسرائه. وأوقف الأفضل الأرض الواقع الواقعة خارج البوابة على المسجد ، لخدمة الحجيج والعلماء والمجاورين من بلاد الغرب.

وسمح صلاح الدين وخلفاؤه الأيوبيون للمسيحيين بالاقامة في القدس ، وممارسة شعائرهم الدينية فيها. وفتحت أبواب المدينة أمام الحجج المسيحيين من أوروبا ، وإنْ ظل الخوف يعتمل في النفوس قرونا طويلة، من احتمال ان يفكر الافرنجة في احتلال المدينة ثانية. وكان عدد اليهود المقيمين في القدس ، في عهد الصليبيين ، قد تضاءل الى شخص واحد ، وهو صبّاغ ، كتب عنه الحاخام بتاحيا الريجنزبيرغي (نحو 1177م). أما صلاح الدين وخلفاؤه ، فقد أحيوا الوجود اليهودي في القدس. والواقع ان الديار الإسلامية جميعا قد اصبحت ـ بعد انهيار الفتح الصليبي ـ موئلا لليهود من أوروبا . وكان ذلك على عكس مسلك الصليبيين الذين كانوا مناهضين للسامية والاسلام.

وأثارت الحرب الصليبية والحملات المضادة لها اهتماما كبيرا بفلسطين ، من جانب المسلمين والعرب ؛ وهو اهتمام اتخذ ثلاثة أشكال : الأول ظهور عدد كبير من الكتاب والشعراء الذين تغنّوا بالمغزى الديني للقدس وقيمتها، في نطاق نوع جديد من الانتاج الأدبي ـ الديني عرف باسم كتب الفضائل. وكان مضمون هذه الأعمال الاشادة بفضل الصلوات التي تؤدي في القدس ، وبمزايا الحج اليها او الاقامة او الوفاة فيها. ولم تكن القدس المدينة الفلسطينية الوحيدة التي اختيرت لتوقيرها. فقد ابرز الكتاب والشعراء والمتصوفة الأضرحة والمقامات والمزارات الإسلامية في أنحاء اخرى من فلسطين (ومن ذلك قبر هاشم ، جد الرسول عليه الصلاة والسلام، في غزة) ، فضلا عن المواقع المرتبطة بالأنبياء والأولياء والصالحين ، مثل القبور او المواضع التي كان يضن ان الأنبياء قد ولدوا فيها ، او زاروها ، أو سكنوها ، او دفنوا فيها ، او ظهروا للبعض فيها بالمنام. أما الشكل الثاني لاهتمام العرب والمسلمين بفلسطين ، فقد تمثل في تضاعف عدد رحلات الحج والزيارات لها ، بحيث اصبحت تلك ظاهرة منتظمة واسعة الانتشار في المنطقة . كذلك اشتدت المنافسة، بين السلاطين والحكام والأمراء المسلمين وكبار القوم الأثرياء ، في بناء المؤسسات العامة، كالمدارس والرُبُط والزوايا والأنزال والسبل والمستشفيات والحمامات ، وأوقفوها جميعا ، وخصصوا للانفاق عليها من عوائد المزارع والمتاجر الأموال الوفيرة.

ولم يكن اهتمام المسلمين والعرب بفلسطين نزوة عابرة كردة فعل للتهديد الصليبي. ففي أثناء القرنين السابع عشر ميلادي والثامن عشر ميلادي مثلا ، أي بعد دحر الصليبيين بمئات السنين، اتخذ هذا الاهتمام شكلا جديداً. فقد اصبح الحج الى القدس من المبادئ الأساسية لكثير من طرائق الصوفية. وبات مسجد قبة الصخرة في القدس ملتقى لشيوخها وأتباعهم ، يأتونه من دمشق والقاهرة وغيرهما من المدن ، ليختلوا في جواره ويلتقوا مريديهم عنده. وكانت تقام هناك حلقات الذكر وتلاوة الأوراد ، تردد خلالها صفات الله ومدائح نبيّه بتنويعات تبتعث حالة من الوجد عند موقع الإسراء والمعراج ذاته تصور المتصوفون أنها تحاكي حالة النبي عندما عرج الى السماء ، ذلك بأن اهل الطرائق نظروا الى المعراج على انه رمز لانطلاق الروح من إسارها الجسدي

للاشتراك في نشرة الاخبار