اصدار وعد بلفور

انتخب ديفيد ولفسون D. Wolffsohn (1856- 1914) خلفاً لهرتزل خلال المدة (1905- 1911) وهو من مواليد ليتوانيا، لكنه استقر في ألمانيا منذ 1881 حيث أصبح رجل أعمال ناجحاً، وقد سار على خط سلفه بالتركيز على دعم دولي للمشروع، لكنه لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي تركه هرتزل. كما أن صعوبة الحصول رسمياً على الدعم المنشود قد أسهمت في بروز تيار "الصهيونية العملية"، والذي ظهرت بداياته منذ أيام هرتزل، والذي يركز أكثر على المبادرة العملية وبوسائل شتى للهجرة والاستيطان في فلسطين، وبناء الحقائق على الأرض. كما ظهر حاييم وايزمن Chaim Weizmann (1874- 1952)، بأطروحته التوفيقية بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية، فدمج بين الخطين، حيث أعلن أنه "يجب أن نتطلع إلى البراءة [الدعم الدولي]، لكن تطلعاتنا ستتحقق من خلال نشاطنا العملي في أرض إسرائيل". وسيراً في الاتجاه العملي فقد تم تمت الموافقة على اقتراح واربورج بتبني "سياسة التغلغل الاقتصادي"، المعتمد على العمل الصهيوني بصورة منظمة. وتأسس مكتب فلسطين في يافا سنة 1908 ليتولى توجيه العمل الاستيطاني الزراعي، وأنشئت شركة تطوير أراضي فلسطين، كما بدأ إنشاء مدينة تل أبيب.

 

ويعد المؤتمر الصهيوني العاشر سنة 1911 نقطة تحول، إذ سيطر الصهيونيون العمليون على قيادة المنظمة وأجهزتها، وانتخب أوتو واربورج Otto Warburg (1871- 1937)، وهو ألماني رئيساً للمنظمة، واستمر رسمياً في رئاستها حتى عام 1921. وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914، استفاد الصهاينة من ضعف الدولة العثمانية، وتفشي الفساد الإداري فيها، ثم من انقلاب حركة الاتحاد والترقي (الممالئة لليهود والحركة الصهيونية) على السلطان عبد الحميد سنة 1908، فهاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1882- 1914 نحو 55 ألف يهودي.

 

وقد أحدثت الحرب العالمية الأولى فوضى في الجهاز الإداري الصهيوني، حيث وجدت قيادات العمل ومؤسساته نفسها متوزعة على بلدان متحاربة، وكان مكتب قيادة الحركة الصهيونية في ألمانيا، حيث عول صهاينة وسط أوروبا على انتصارها في الحرب، وأجروا مفاوضات معها، بدعوى الحصول على الدعم اليهودي و الأمريكي، مقابل ضغطها على حليفتها الدولة العثمانية، لإقامة الوطن اليهودي في فلسطين. ولم تكن اللجنة التنفيذية المكونة أساساً من روس وألمان قادرة على العمل الجماعي، حيث كانت ألمانيا وروسيا دولتان متحاربتان. كما انقطعت صلة مكتب القيادة بروسيا والدولة العثمانية وباقي العالم الغربي. وتعرض المشروع الصهيوني في فلسطين لهزة كبيرة مع ظهور دلائل متزايدة على ممالأة الصهيونية لبريطانيا وحلفائها ضد العثمانيين والألمان، ونَقَص عدد اليهود من 85 ألفاً سنة 1914 إلى 55 ألفاً سنة 1918.

 

وبينما فقدت قيادة المنظمة الصهيونية في ألمانيا فاعليتها ، برز نجم الأستاذ الجامعي الروسي الأصل الدكتور حاييم وايزمن، الذي كان يقيم في بريطانيا، وقام بدور زعيم الأمر الواقع للمنظمة الصهيونية، ونصّب مع رفاقه هناك لجنة سداسية انضم إليها اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية. وسعى إلى التفاوض مع بريطانيا لتبني المشروع الصهيوني مقابل دعم اليهود لها في الحرب، واستخدام نفوذهم في أمريكا لدفع الولايات المتحدة للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا. كما برز في الوقت نفسه لويس برانديس Louis Brandeis (1856- 1941)، الذي قاد صهيونيي أمريكا. ومن خلال الدورين اللذين لعبهما وايزمن وبرنديس والتنسيق بينهما، نجحت المنظمة الصهيونية في استصدار وعد بلفور من بريطانيا، 2 نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي حظي بموافقة حلفاء بريطانيا في الحرب (الولايات المتحدة التي دخلت الحرب في مارس 1917، وفرنسا وإيطاليا).

للاشتراك في نشرة الاخبار