خديعة البريطانيين للعرب و اتفاقية سايكس ب

ومع بداية الحرب العالمية الأولى 1914 كان قد بلغ عدد اليهود في فلسطين نحو 80 ألفاً، غير أن موقف اليهود الممالئ لبريطانيا وحلفائها ضد الدولة العثمانية قد جعل العثمانيين يضيقون عليهم فترة الحرب (1914-1918)، فانخفض عددهم مع نهايتها إلى نحو 55 ألفاً.

وقد كانت الحرب العالمية الأولى خطراً هائلاً على الجميع، لكنها مثلت في الوقت نفسه فرصة أمام كل طرف للانتفاع من نتائجها في حالة الانتصار، فنشط سوق المفاوضات والاتصالات السرية والمعاهدات لترتيبات ما بعد الحرب. ورغم أن المنظمة الصهيونية العالمية عانت مؤقتاً من حالة من التشتت بسبب وجود الكثير من قياداتها في ألمانيا، إلا أن حاييم وايزمن C.Weizmann استطاع إعادة ترتيب أوراقها، وقيادتها عملياً من خلال مركزه في بريطانيا. أما بريطانيا فقد سعت إلى ضمان نفوذها في بلاد الشام والعراق من خلال السير في ثلاثة اتجاهات متعارضة متضاربة، ولم تبال بهذا التعارض كثيراً في سبيل تحقيق أهدافها والانتصار في الحرب.

كان الاتجاه الأول التفاوض مع الشريف حسين بن علي أمير الحجاز (مراسلات حسين-مكماهون يوليو 1915-مارس 1916) لدفعه لإعلان الثورة العربية على العثمانيين مقابل وعود باستقلال معظم المناطق العربية في جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق تحت زعامته. وكان الكثير من رجالات العرب قد أصيبوا بالإحباط جرّاء سياسات الاتحاد والترقي، التي أفقدت الدولة العثمانية مصداقيتها الإسلامية،كما غضبوا لقيام جمال باشا الصغير والي سوريا بتعليق العديد من القيادات العربية على أعواد المشانق في مايو 1915، رغم أن زعامات الجمعيات العربية كانت قد أعلنت في بداية الحرب تناسي خلافاتها مع العثمانيين، والوقوف إلى جانبها في محاربة "الكفار". وقد تعمدت بريطانيا سياسة عدم الوضوح في تحديد التزاماتها، وقد ضغط الشريف حسين على بريطانيا لتكون أكثر تحديداً، خصوصاً فيما يتعلق بحدود الدولة العربية المقترحة، فأرسلت بريطانيا في 24 أكتوبر 1915 عدداً من التحفظات على الحدود،كمطالبتها بعدم ضم إقليمي مرسين وأضنة، وكذلك المناطق التي تقع إلى الغرب من سناجق حلب وحمص وحماة ودمشق، فضلاً عن استمرار استعمارها لجنوب اليمن وإمارات الخليج العربي، ومطالبتها بوضع إداري خاص لجنوب العراق يكفل المصالح البريطانية. ورغم أن الشريف حسين كان يفهم أنه لا يستطيع تغيير شيء بالنسبة للبلدان العربية المستعمرة، كما عبر عن استعداده لمناقشة المصالح البريطانية في جنوب العراق، إلا أنه أصر على عروبة المناطق غربي مناطق حلب وحمص ودمشق (وهي ما فهم أن المقصود منها ما يعرف الآن بلبنان). وقد تم الاتفاق على ضرورة المسارعة في إعلان الثورة على أن تتم مناقشة الأمور المعلقة بعد انتهاء الحرب. فقام الشريف حسين بإعلان الثورة في الحجاز في 10 يونيو 1916 وتحالف علناً مع البريطانيين، وأيدته في ذلك الجمعيات العربية التي كان لها نفوذ قوي خصوصاً في بلاد الشام كالعربية الفتاة واللامركزية والعهد.

 

 

 

وفي باريس  عقد في 6-2-1919 ميلادية مؤتمر سمي بمؤتمر الصلح, شارك فيه الملك فيصل بن لاشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى في هذا المؤتمر, وقامت المفاوضات مع الشريف حسين لاقناعه بالتخلي عن مطالبته بفلسطين مقابل اعطائه دولة على الارض العربية. ووافق الشريف حسين على اعتبار فلسطين تحت وضع عالمي, و ليس بالضرورة تابعة للدولة العربية الجديدة. وهكذا تنازل تم اول تنازل عربي عن ارض فلسطين في ذلك المؤتمر الطير الذي عقد في باريس.

 

 

 

 

 

 

 أما الاتجاه البريطاني الثاني فكان التفاوض مع فرنسا (انضمت بعد ذلك روسيا للمفاوضات) بشأن مستقبل العراق وبلاد الشام. وقد تم الاتفاق فيما يعرف بمعاهدة سايكس-بيكوSykes-Picot Agreement  في مايو 1916 على إعطاء البريطانيين معظم العراق (مقارنة بحدوده الحالية) وشرق الأردن ومنطقة حيفا في فلسطين، أما لبنان وسوريا فتوضعان تحت الاستعمار الفرنسي. ونظراً لرغبة كافة الأطراف في استعمار فلسطين فقد اتُفق على أن توضع تحت إشراف دولي.

 

 

 

وكان الاتجاه البريطاني الثالث هو التفاوض مع المنظمة الصهيونية العالمية حول مستقبل فلسطين. وقد دفعهم إلى ذلك حاجتهم الماسة لاستخدام النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة لدفعها للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا وحلفائها (وهذا ما حدث فعلاً في مارس 1917)، فضلاً عن وجود النفوذ اليهودي الصهيوني في بريطانيا وفي الحكومة البريطانية نفسها من خلال وزير الداخلية اليهودي الصهيوني هربرت صمويل H.Samuel، والنصارى المتصهينيين مثل رئيس الوزراء لويد جورجL.Goerge، ووزير الخارجية بلفورBalfour. هذا بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقاً من دوافع وخلفيات دينية وسياسية واستراتيجية …. وكانت النتيجة صدور وعد بلفور في 2نوفمبر 1917 بتعهد بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد كان هذا من أغرب الوعود في التاريخ الإنساني، ففضلاً عن تعارضه مع المعاهدات الأخرى، فقد تجاوز بصلف وغرور رغبات وأماني أصحاب البلاد الشرعيين، وتعهد أن يعطي أرضاً لا يملكها ـ بل ولم يكن قد احتلها بعد ـ إلى أناس لا يستحقونها، وكان ذلك في ذروة الحديث عن الشرف البريطاني، والدفاع عن القيم والمبادئ.

 

 

 

لم تبق اتفاقية سايكس-بيكو طي الكتمان، إذ قام الروس بكشفها بعد أن استطاعت الثورة الشيوعية القضاء على الحكم القيصري في روسيا في أكتوبر 1917 وأعلنت انسحابها من الحرب. كما عرف الناس مبكراً بوعد بلفور الذي لم يعد سراً بعد أن وصل للصحافة في البلاد العربية ـ مصر بالتحديد ـ بعد أقل من أسبوع من صدوره.  وقد كان ذلك صدمة كبيرة للثورة العربية، إذ لم يتخيلوا أبداً هذه الدرجة من الخداع البريطاني، ولذلك رفض جنود الثورة العربية الاستمرار ما لم توضح الأمور، فأرسلت بريطانيا إمعاناً في التضليل أحد مبعوثيها (هوغارث Hogarth ) في يناير 1918 لطمأنة الشريف حسين، حيث حمل تصريحاً بريطانياً بأن الهجرة اليهودية لفلسطين لن تتعارض مع مصالح السكان السياسية والاقتصادية. كما حمل التصريح البريطاني إلى القياديين السوريين السبعة في يونيو 1918 تأكيدات واضحة على أن الأرض التي يحتلها البريطانيون (جنوب فلسطين وجنوب العراق) سوف تحكم وفق رغبات السكان، فضلاً عن الموافقة على استقلال ما كان لا يزال تحت السيادة العثمانية من شمال فلسطين وشرق الأردن وسوريا ولبنان وشمال العراق. وعندما انتهت الحرب العالمية صدر التصريح الإنجلو-فرنسي 7 نوفمبر 1918 بتأكيد التعهدات للعرب الذين كانوا تحت الحكم العثماني في الحرية والاستقلال.

للاشتراك في نشرة الاخبار