احتلال فلسطين و قمع الفلسطينيين و تشجيع ال

فلسطين تحت الاحتلال البريطاني 1917-1948

أتم البريطانيون احتلال جنوب  فلسطين ووسطها في ديسمبر 1917، واحتلوا القدس في 9 ديسمبر 1917. وخطب قائد الجيش البريطاني اللنبي Allenby في القدس محتفلاً بانتصاره قائلاً: "والآن انتهت الحروب الصليبية"[40]، وكأن حملتهم على فلسطين كانت آخر حملة صليبية، وكأن الحروب الصليبية لم تتوقف منذ أن شنها الأوربيون قبل ذلك بأكثر من 800 عام. وفي سبتمبر 1918 احتل البريطانيون شمال فلسطين، كما احتلوا في سبتمبر-أكتوبر 1918 شرق الأردن وسوريا ولبنان. ومنذ ذلك الوقت فتحت بريطانيا بالقوة مشروع التهويد المنظم لأرض فلسطين، واستطاعت بريطانيا بعد ذلك إقناع فرنسا بالتخلي عن مشروع تدويل فلسطين كما في نصوص سايكس بيكو، مقابل رفع بريطانيا لدعمها للحكومة العربية التي نشأت في دمشق بزعامة فيصل بن الشريف حسين، حتى تتمكن فرنسا من احتلال سوريا. ثم وفرت بريطانيا لنفسها غطاءً دولياً باستصدار قرار من عصبة الأمم في 24 يوليو 1922 بانتدابها على فلسطين، وتم تضمين وعد بلفور في صك الانتداب، بحيث أصبح التزاماً رسمياً معتمداً دولياً. غير أن فكرة الانتداب التي ابتدعتها عصبة الأمم، كانت قائمة على أساس مساعدة الشعوب المنتدبة وإعدادها لنيل استقلالها. وقد تضمن صك الانتداب نفسه على فلسطين مسئولية الدولة المنتدبة (بريطانيا) في الارتقاء بمؤسسات الحكم المحلي، وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين. وهذا يعني ألا يقف وعد بلفور في نهاية الأمر عائقاً في وجه أبناء فلسطين ضد الارتقاء بمؤسساتهم وإقامة دولتهم. وكان تنفيذ وعد بلفور يعني عملياً الإضرار بمصالح أهل فلسطين وحقوقهم، وتعطيل بناء مؤسساتهم الدستورية باتجاه إقامة دولتهم. وقد فضلت بريطانيا دائماً التزام الشق المتعلق بوعد بلفور، وأصمَّت آذانها ولم تحترم الشق المتعلق بحقوق أبناء فلسطين العرب الذين كانوا يمثلون نحو 92% من السكان عند بداية الاحتلال. وربما أرادت بريطانيا من إيجاد نصوص متعلقة بحقوق الفلسطينيين إظهار نفسها بمظهر الحكم العادل بين الطرفين العربي واليهودي، وتشجيع الفلسطينيين على المطالبة بحقوقهم وفق أساليب مدنية "دستورية"، وعدم إغلاق كافة المنافذ أمامهم، بحيث لا يصلون إلى درجة الانفجار والثورة بسرعة، في الوقت الذي تقوم فيه بالتسويف والمماطلة، ريثما يتم لها ترسيخ الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

وضعت بريطانيا فلسطين تحت الحكم العسكري حتى نهاية يونيو 1920، ثم حولتها إلى الحكم المدني، وعينت اليهودي الصهيوني هربرت صمويل أوّل "مندوب سامٍ" لها على فلسطين (1920-1925) حيث شرع في تنفيذ المشروع الصهيوني ميدانياً على الأرض. وتابع المندوبون "السامون" المسيرة نفسها، غير أن أكثرهم سوءاً ودهاءاً ونجاحاً في التنفيذ كان آرثر واكهوب A. Wauchope  (1931-1938) حيث وصل المشروع الصهيوني في عهده إلى درجات خطيرة.

 

 تطور المشروع الصهيوني:

وعلى أي حال، فقد عاشت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني مؤامرة رهيبة، فحُرم أهل فلسطين من بناء مؤسساتهم الدستورية وحُكْم أنفسهم، ووُضعوا تحت الحكم البريطاني المباشر، وأُعطي المندوبون السامون صلاحيات مطلقة. وضيقت بريطانيا على الفلسطينيين سبل العيش وكسب الرزق، وشجعت الفساد، وسعت لتعميق الانقسامات العائلية والطائفية وإشغال أبناء فلسطين ببعضهم. وفي المقابل شجعت الهجرة اليهودية، فزاد عدد اليهود من 55 ألفاً (8% من السكان) سنة 1918 إلى 650 ألفاً (31% من السكان) سنة 1948. ورغم الجهود اليهودية-البريطانية المضنية للحصول على الأرض، إلا أن اليهود لم يتمكنوا من الحصول سوى على نحو 6.5% من فلسطين بحلول 1948، كان معظمها إما أراضٍ حكومية، أو أراضٍ باعها إقطاعيون غير فلسطينيين كانوا يقيمون في لبنان وسوريا وغيرها، وقد بنى اليهود على هذه الأراضي 291 مستعمرة.

 وفي الوقت الذي كانت السلطات البريطانية تسعى حثيثاً لنـزع أسلحة الفلسطينيين، وتقتل أحياناً من يحوز سلاحاً نارياً، بل وتسجن لسنوات من يملك رصاصات أو خنجراً أو سكيناً طويلاً، فإنها غضّت الطرف، بل وشجعت سرّاً تسليح اليهود لأنفسهم، وتشكيلهم قوات عسكرية وتدريبها، بلغ عددها مع اندلاع حرب 1948 أكثر من سبعين ألف مقاتل (64 ألف مقاتل من الهاغاناه، وخمسة آلاف من الأرغون، وألفين من شتيرن … وغيرها)، وهو عدد يبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف الجيوش العربية السبعة التي شاركت في حرب 1948!! وأسس اليهود الوكالة اليهودية سنة 1929، والتي تولت شئون اليهود في فلسطين، وأصبحت أشبه بدولة داخل دولة لما تمتعت به من صلاحيات واسعة. وأقام اليهود مؤسسات اقتصادية واجتماعية وتعليمية ضخمة، شكلَّت بنية تحتية قوية للدولة اليهودية القادمة، فتأسس الهستدروت (اتحاد العمال) وافتتحت الجامعة العبرية بالقدس سنة 1925…. وهكذا، فإن الظلم والقهر والمحاباة كان السمة الأبرز للاستعمار البريطاني لفلسطين.

للاشتراك في نشرة الاخبار