الاوضاع الاجتماعية للاجئين الفلسطينيين ف

الأوضاع الاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان:
أقام الفلسطينيون بعد لجوئهم إلى لبنان، في خيام، أصبحت علامة على بؤسهم وشقائهم، وتحولت، فيما بعد، إلى مساكن اقرب إلى الأكواخ، بنيت من الحجارة والصفيح، وكانت متراصة متلاصقة، طرقها دروب طينية موحلة، تجري فيها المياه الأسنة، ناتجة عن استعمال المساكن لغياب شبكات الصرف الصحي.

سكنياً، تم توزيع اللاجئون في عدد من المخيمات حوالي (16)  مخيماً قرب المدن، وكانت أوضاع ساكنيها غاية في البؤس والشقاء، كما أشرنا، ناهيك عن أوضاعهم النفسية السيئة، التي أسفرت عنها عادات اليأس، والإحباط، والإتكالية، بقي من هذه المخيمات الآن حوالي (13) مخيماً رسمياً. بعد تدمير مخيمات: تل الزعتر في منطقة بيروت ثم مخيم جسر الباشا، والنبطية وغيرها، وقد تشتت ساكنوها في مختلف أنحاء لبنان. وتقع أو يحاذي هذه المخيمات ثكنات عسكرية لبنانية، بغية السيطرة عليها، ويمنع قرار ادارى سري صادر من الأمن العام اللبناني زيادة مساحة أي مخيم كما يمنع بناء طوابق فوق بعض "بناء عامودي"، بل يشترط أن يكون البناء من جدران حجر، وسقف من الصفيح، لذلك فإن النمو السكاني الزيادة الطبيعية للاجئين، الناجمة عن الولادات، لا تجد مكاناً لها وتضطر للمغادرة.

اصبح المخيم مكان الإقامة الإلزامي، فشكل مجمعاً لأبناء عدة أحياء أو قرى، أو أجزاء من مدن، ليشكل بذلك جسماً اجتماعياً غير متجانس/ متناغم، يفتقر إلى مكونات ومقومات المجتمعات الإنسانية المعروفة، وبالتالي لم يتمكن (المخيم) من الاضطلاع بأي دور اجتماعي يعود بالفائدة على سكانه، وهذا بحكم التركيبة المؤسسة على هذا النحو، لم يكن ليهيئ لأي نشاط صناعي أو زراعي، إلا في أضيق الحدود، إضافة إلى بعد المخيم عن مراكز التجمع السكاني اللبناني، مما خلق نوعاً من العزلة، قبل أن تتسع المدن، والقرى لابتلاعه(91) .
وقد كان اللاجئون الفلسطينيون، بمعظمهم، من الفلاحين، حيث شكلت الأرض التي فقدوها مصدر الكبرياء، والمكانة الاجتماعية، فضلاً عن انتظارهم الطويل في الطوابير، للمعونة التي تقدمها الوكالة، مما شكل عامل إذلال، وامتهان لكرامتهم، وإنسانيتهم.
ورغم أن الوكالة "الأنروا" وفرت، آنذاك، الحد الأدنى من الغذاء، والكساء، والتعليم، إلا أن دورها ظل سياسياً، بالدرجة الأولى، وكان يؤسس لتوطين اللاجئين هناك، مستتراً تحت شعار "المساعدات الإنسانية".

أما السلطات اللبنانية، ففرضت على هذه التجمعات، والمخيمات حصاراً شديداً، لأنها رأت في هذه التجمعات مجموعة سكانية كبيرة، لا تمتلك سوى النقمة، ورفض الواقع مما يؤثر في البنية الديمغرافية، والسياسية، والاقتصادية للبلاد، الأمر الذي لم تكن هذه السلطة (اللبنانية) لتقبله، وشكل لها بالتالي هاجساً أمنيا، دفعها لإحكام قبضتها على تلك التجمعات، وفرض رقابة أمنية صارمة، بواسطة أجهزة الأمن، وأدت هذه الرقابة إلى حرمان الفلسطينيين من الحريات العامة، وهذا بدوره انعكس موجداً علاقات عدائية بين سكان المخيمات والسلطة، خاصة أن ممثلي هذه السلطة قد مارسو دوراً قمعياً فاضطهدوا السكان، وابتزوهم، فقد الأمان، وانحسر الشعور بالحرية(92) .

في ظل هذه الأوضاع(93) . انكفأ الفلسطينيون يعانون من أوضاعهم المعيشية الصعبة، واخذوا بتجميع أنفسهم، بحسب صلات القرابة، وصلات أصولهم المدنية، والقروية والانتماء البلدي والمناطقي، إذ يقيم في كل حي عائلات تنتمي إلى بلدة أو قرية فلسطينية معينة، وقد حملوا معهم إلى المخيمات ما عرفوه في فلسطين من تراتبيه اجتماعية ومناطقية (أي التجانس الاجتماعي) كرست للأعيان في العائلات الكبيرة وجاهة الحي، ولوجوه البلدات الكبيرة ميزات إضافية، والوجاهة وراثية إذ يخلف الابن الكبير أباه عند وفاته.
وبات هم اللاجئون، تأكيد قدرتهم على تمويل أسرهم، ومدنهم، وقراهم الأصلية، إلى حاضن اجتماعي كبير، يعمل في ظل غياب المؤسسات، والأرض والوطن، وشكلت مرحلة البحث عن لقمة العيش والعمل، والإنتاج مدخلاً هاماً لاستعادة التوازن في الذات المحطمة.

وبينما كان جيل الآباء يعاني حسرة الغربة، وتبعه فقدان الوطن، وما بناه كدحهم، وجهدهم خلال عقود، نشأ الجيل الجديد، رافضاً واقعة المر واعياً لطبيعة المرحلة، فتحرك آخذاً على عاتقه تجاوز هذه المحنة عن طريق العمل لإعالة أسرة ممتدة، وتعليم للأخوة، من اجل تسليحهم بالوعي والعلم، لاستعادة الكرامة المهدورة، والوطن السليب.
فنقل جيل النكبة من الآباء حنينهم لأرض، وارتباطهم بها إلى أطفالهم، فنشروا قصص الذين قضوا دفاعاً عن الأرض الوطن، فبعثت حية بناسها وعلاقاتها، إضافة إلى شحنة خلافه من الحنين لها، والإصرار على استعادتها.
وبذلك اصبح اللاجئون في تجمعاتهم متماسكين، إلا أن التماسك الاجتماعي والارتباط بالأرض لم يكونا كافيين، ولا بد من محور جديد، ذي أبعاد كفاحية سياسية يسهم في رحلة العودة إلى الوطن، ورغم أن جذور هذا المحور تعود إلى إعلان الكفاح المسلح (عام 1965) إلا أن سقوط بقية فلسطين في القبضة الصهيونية عام 1967، الذي أسس لعلاقات جديدة بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين، توجت بإعلان اتفاق القاهرة (1969)، الذي عقد بين الحكومة اللبنانية/ ومنظمة التحرير في ربيع 1969، وتضمن بعض الحقوق المدنية للفلسطينيين، إضافة للبنود العسكرية، وتمتع اللاجئون بعدها بنوع من الحرية إلا أن هذه الحرية النسبية لم تًّرسم بقوانين، مما أدى إلى عودة الوضع إلى ما كان عليه، تقريباً إن لم نقل أسوأ من قبل "اتفاقية القاهرة" وذلك بعد خروج المقاومة من بيروت (1982).

للاشتراك في نشرة الاخبار