مقدمة

يتسم الوضع الفلسطيني في لبنان بخصوصية فريدة، تميزه عن باقي تجمعات اللجوء الفلسطيني ليس فقط في سوريا والأردن وحتى في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وتنبع هذه الخصوصية من كون أن الوجود الفلسطيني في لبنان كان قسرياً وتحت ضغط النكبة وهو في بلد يعاني بدوره من خصوصية تعود إلى التكوين التاريخي للبنان نفسه الذي قام أساسا على توازن طائفي دقيق وشديد الحساسية، من شأن الإخلال بأي من مكوناته أن يهدد بتفجير تركيبة الكيان اللبناني برمته "فتجربة الحروب الأهلية اللبن انية منذ الاستقلال وحتى اتفاق الطائف عام 1995 دليل كاف على صحة ما نسوق. بسبب من هذا الواقع فإن لجوء بضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى لبنان قد أثار ولا يزال الريبة والتوجس لدى فريق غير قليل من اللبنانيين، وقد تجلت هذه الريبة على الصعيد الرسمي بسياسات وتشريعات جائرة استهدفت فيما استهدفته تهميش الفلسطينيين في لبنان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً والحيلولة دون اندماجهم في النسيج الاجتماعي الاقتصادي اللبناني. أن هذا الموقف السلبي قد شكل عصب الموقف الرسمي اللبناني الذي كان محكوماً منذ البدء باعتبارات طائفية ومذهبية، أقضت بدورها إلى تنمية ورعاية ظاهرة العداء للعرب والفلسطينيين، واذكت روح الفتنة والكراهية وعززت نزعات التناقض والانعزال، وإذكاء الفتن والقطيعة مع هذا الوجود.
عاش اللاجئون في لبنان وحتى أواخر الستينات ظروفاً صعبة للغاية، فقد عومل الفلسطينيون هناك كرعايا أجانب يخضعون لأنظمة وقوانين وزارة الداخلية اللبنانية بدون حق العمل أو التملك أو الانتقال إلا بإذن خاص من السلطات المعنية. وخلال الأعوام الطويلة الممتدة منذ 1948، لم ينجح في الحصول على الجنسية اللبنانية إلا عدد قليل في سنوات الخمسينات نظراً للتكوين الطائفي للدولة اللبنانية كما سلف، حيث شكلوا في أعين السلطات المتنفذة خطراً على التوازن الطائفي في البلاد، لكون أكثريتهم الساحقة من المسلمين، وكانت المخيمات الفلسطينية تخضع مباشرة لسلطة قوى الأمن اللبنانية التي كانت تتمتع بسمعة سيئة في أوساط اللاجئين والتي كانت تستعمل القمع والإرهاب في محاولة لمنع أي تحرك سياسي للفلسطينيين. ولقد واظبت الحكومات اللبنانية المتعاقبة على التعاطي مع الملف الفلسطيني بوصفة ملفاً أمنيا، والمخيمات بوصفها جزراً أمنية خارجة عن القانون، من الواضح أن مجموعة عوامل قوية التأثير كما سلف تكاثفت وجعلت السياسية الرسمية اللبنانية مسنوده بتأييد نسبة واسعة من الكتلة الجماهيرية اللبنانية تنظر للفلسطيني بوصفة ضيفاً غير مرحب به، ثمة استنتاجات موجودة فعلاً، لكنها لا تغير كثيراً من الحقيقة، ولعل من بين مجوعة العوامل المشار إليها أعلاه هو الدور الفلسطيني في الحرب الأهلية اللبنانية بصرف النظر عن مكانة هذا الدور وحجم المسؤولية التي يتحملها في إشعال فتيل الحرب، إلا أن هناك اتجاهاً قوياً داخل السلطة وخارجها يسعى لإلغاء كل تبعات ذلك الدور الفلسطيني وبالتالي جعل الفلسطينيين في لبنان يدفعون فاتورة الحرب بالكامل، الأمر الذي نمى لدى الضمير الجمعي لفلسطيني لبنان هاجس الوجود والبقاء، هذا الهاجس الذي قد يختلف مضمونه من فرد لآخر، كما اسهم اكثر من عامل في التأسيس له وزرعه، ولو وضعنا جانباً المؤثر التاريخي الذي يعود لحرب عام 1948، وما خلفه ذلك في الذاكرة الجماعية، فإن هناك أمثلة متكررة لإبقاء هذا الشعور حياً، فقد وضعتهم مجزرة صبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات أمام خطر الذبح والإبادة، كما أن حملات التضييق والخنق جعلت فلسطيني لبنان على الدوام أمام خطر الاقتلاع والنفي.

ولعل هواجس كهذه موجودة أو كانت موجودة لدى اكثر من تجمع فلسطيني آخر، ولكن المؤكد أنها ليست على الحدة والراهنية التي هي عليه عند فلسطيني لبنان، وذلك لأسباب سبق شرحها وتجد تحضيراً مستمراً لها في تذكير هؤلاء بأنهم أقلية غير مرغوب فيها، ورمز للغرباء الذين تصب عليهم يومياً كل حملات التحريض والكراهية غير الخافية على أحد من رأس الهرم السياسي في لبنان مروراً ببعض الوزراء، وانتهاء بتيار شعبي ليس بالقليل نشأ على ذات الأسس الطائفية والمذهبية القائم عليها النظام السياسي القائم في لبنان.
جملة القول، ودون الاستغراق في تفاصيل وتعقيدات العلاقة الفلسطينية واللبنانية على المستويين الرسمي والشعبي، أو حتى محاولة التاريخ لهذه العلاقة فإن خصوصية الوجود الفلسطيني في لبنان تنبع من كون أن هذا الوجود قد عاش منذ اللجوء وحتى اليوم وسط بيئة تتراوح مواقفها اتجاهه تصاعدياً في الترحيب إلى عدم الود والعلاقة الباردة وصولاً إلى الكراهية الشديدة جداً، تبعاً لتعدد العناصر (الطوائف) إلى الموضوع الفلسطيني وموضوع العرب والعروبة، وكذلك تبعاً لتعاقب حقب الزمن منذ اللجوء وحتى اليوم وتقلبات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمحلية والإقليمية والدولية.

للاشتراك في نشرة الاخبار