الانتقام من القرية عام 1938

الانتقام من القرية عام 1938

إحتل البريطانيون فلسطين لنهب خيراتها وامتصاص دماء شبعها ، وإفقارهم واذلالهم ليكونوا لهم كالعبيد ، وسهروهم بالأعمال الشاقة ظلماً وعدواناً منها: شق الطرق لربط القرى ببعضها ووصلها بالشوارع الرئيسية ، وكغيرها من القرى فقد نالت القرية نصيبها من تنكيل قوات الاستعمار البريطانية . ففي شهر آذار عام 1938 قاموا بشق طريق تربط بين قرى يركا وجولس وكفرياسيف ، وتتجه شمالاً إلى كويكات ومنها الى الحدود اللبنانية ، وتتصل بالشارع الرئيسي الذي يربط بين عكا وصفد ، وكان لهم قاعدة عسكرية قرب يركا. من أجل ذلك فرضوا على أهل كل بلد يوم عمل مجاني لرصف الطريق، وجاء دور كويكات للخرة فتسلل ثوار القرية وزرعوا لغماً ارضياً استهدفوا به سيراة جيب على من بداخلا من الضباط والجنود. ولما راى العمال انفجار اللغم بالسايرة ، عادوا مسرعين إلى القرية وهرعت القوات البريطانية إلى مكان الحادث، وكانت كفرياسيف هي الاقرب اليه، ولما شاهدوا القتلى ثارت ثائرتهم وتوجهوا اليها وبدأوا التنكيل بأهلها ، ثم علموا إن الذين زرعوا اللغم ثوار من كويكات ، فتوجهوا شمالاً اليها مشياً على الاقدام وقلوبهم تكاد تتفجر حقداً وغيظاً ، وفور وصولهم صبوا جام غضبهم عليها وبدأوا بإطلاق الرصاص على كل من صادفوه من الرجال حتى وصولا إلى الجامع، ولما سمع الاهالي صوت اطلاق الرصاص خرجوا من بيوتهم يستطلعون الأمر، وكانت المفاجأة التي لم تخطر على بال أحد منهم ، جنود مدججون بالسلاح يطلقون النار عشوائياً ، ويلاحقون من فر من طريقهم ، ورجال سقطوا على الأرض مضرجين بدمائهم طلب الجنود مختار القرية فجاء الحاج سليم الغضبان يتوكأ على عصاه ، فأخبروه عن الانفجار الذي اسفر عن قتل الضباط والجنود ، وطلبوا منه اسماء الثوار لملاحقتهم ، فلم يتسجب لطلبهم نافياً أن يكون أحد من القرية زرع اللغم ، فأخذوا العصا من يده واخذوا يضربون بها رجالاً اخرين بعد نزع سراويلهم امعاناً بالتعذيب بعدما شفوا غليل قلوبهم بقتل الأبرياء .

النساء يستنكرن الجريمة :

أمام هذه المشاهد المؤلمة التي تجعل الحليم يفقد صوابه ، تقدمت النساء من الجنود بكل جرأة ، ويتحريض وتشجيع من المعتار الذي هز كيانه الواقع الأليم ، والجريمة المروعة ، وفي المقدمة فاطمة إبراهيم العلي ، وحلوة محمود عباس واخذن يشتمنهم ويصرخن بوجوههم ، إستنكاراً لجريمتهم المنكرة التي ارتكبوها ، وسقط نتيجتها رجال ابرياء لا ذنب لهم . ولكنه الحق الذي ملاً قلوبهم ، بمجرد وشاية خاطئة . وما ذلك الا امعاناً بسياسة اذلال الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها . كان الجنود ساعتها ينهالون ضرباً بالعصا على خليل إبراهيم العلي وعلى حسين إسكندر ومحمد توفيق العلي ومحمد حسن الصالح ومحمد علي اسكندر .

ولما شاهدت فاطمة الجندي ينهال على اخيها خليل بالضرب ، وهو لا يملك ما يدافع به عن نفسه إلا يديه لم تتمالك نفسها (ويالغرابة ما أقدمت عليه) فقد هرعت مسرعة نحوه ، وبين يديها طفلتها الرضيع، وهي السلاح الوحيد الذي كان بحوزتها، واخذت تضربه بها وتشتمه حتى تركه .

تكاثرات النساء على الجنود ، وهن يبكين القتلى ، ويرجمن الجنود بالحجارة وذلك بتحريض من المختار ، فقد اعلمهن أن الجيش ممنوع من التصدي للنساء حتى انصرفوا من القرية مهددين ومتوعدين.

الشهداء :

سقط جراء ذلك الاعتداء الآثم تسعة شهداء ، رووا الأرض الطاهرة بدمائهم الزكية دون جريمة ارتكبوها، أو ذنب اقترفوه، تسعة شهداء صعدت أرواحهم الى المساء وفارقت اجسادهم المضرجة بالدماء . ويوم يقوم الناس لرب العالمين ، يأتي كل قتيل وهو يمسك بقاتله ويقول لربه عز وجل : يار رَبَّ سَلُ هذا فيم قتلني . أما الدماء فلونها لون الدم وريحها ريح المسك. سبعة من أهل القرية واثنان من خارجها وهم :

1-  الشهيد أحمد عبد اللطيف .

2-  الشهيد حسين علي بدران.

3-  الشهيد أحمد محمد حسين .

4-  الشهيد صالح أحمد سنونو.

5-  الشهيد علي محمد البيتم .

6-  الشهيد محمد صالح إسكندر.

7-  الشهيد محمد خليل عطعوط .

8-  الشهيد أبو علي الصفدي وكان يعمل معماريا في القرية ، وهو الذي بنى الجامع .

9-  الشيهد ذيب مزيان ، من سعسع كان ماراً بالقرية .

ونجا محمود عبد القادر من القتل بأعجوبة ، وذلك أن أحد الجنود البريطانيين أطلق رصاصتين أصاب بهما الشهيدين حسين بدران ومحمد عطوط بعد إخراجهما من الجامع، فما كان منه لما سمع إطلاق النار إلا أنه ألقى بنفسه على الأرض وتظاهر بأنه قتل ، وتجمع النساء حوله وهن يبكين ، فأخبرهن أنه لم يصب باذى واشار عليهم بالبكاء عليه ، ليوهموا الجندي بأنه قتل ، غير أن الجندي المجرم ، تذكر أنه اطلق رصاصتين على اثنين فكيف قبل الثالث فتقدم من الشيهد حسين بدران فوجده يتحرك ، فأجهز عليه وقبر بنه برحبة بندقيته وخرجت أمعاؤه ، ولما تقدم إلى محمود عبد القادر ، بادره النساء بالشتم والدعاء عليه لقتله اياه وهن يبكين فانطلقت عليه الحيلة وانصرف عنهن . وبعد إنصراف الجنود ، جمع رجال القرية الشهداء وصلوا عليهم صلاة الجنازة ، ثم شيعوهم إلى المقبرة وبجنازة مهيبة ، شارك فيها أهالي القرى المجاورة.

جاء أقارب الشهيد ذيب مزيان إلى القرية وزاروا الشهداء في المقبرة ثم عادوا إلى قريتهم سعسع.

كانت  صفحة عار تضاف إلى سجل الاستعمار البريطاني البغيض . وصفحة شرف وفخار تضاف إلى سجل الشهداء الخالدين .

قال تعالى : " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون " الآية رقم (154) من سورة البقرة

للاشتراك في نشرة الاخبار