سقوط القرية عام 1948

سقوط القرية

خرج النساء والأطفال والشيوخ والعجائز ، وبقي فيها الرجال للدفاع عن مسقط رؤوسهم أرض الأجداد والأباء والابناء والأحفاد ، الأرض التي يعملون فيها بعرق جباههم ويزرعونها بجهدهم ، ويأكلون جناها بأتعابهم . بقي الرجال للدفاع عن أرض العروبة والإسلام ، وعن الجامع الذي يتعبدون لربهم فيه ، ويرتفع منه نداء الله اكبر . وعن المدرسة التي تعلمهم الحرف وحب الله وحب الوطن ، وعن المقبرة التي تضم رفات أجدادهم وآبائهم وعن المضافات والدواوين التي تأوي الضيوف ويبحثون فيها أمورهم ، وعن العين التي يرتوون بمائها ، وعن كروم الزيتون والتين والصبار والعنب ، وعن بستان البرتقال والليمون وكرم اللوز والرمان والخروب . وعن خوابي الزيت وجرار الزيتون ، وعن البيادر التي يجمعون عليها حصاد زرعهم وغلات حقولهم ، وعن عرمة القمح ولوح الدراس والمذراة والشاعوب ، وعن عود الفلاحة وسكة المحراث والنير والمنساس ، وعن الفراش الذي بقي في مكانه ، وعن ملابس النساء والأطفال التي بقيت في الخزائن ... بقي الرجال اللذود عن الكرامة المعرضة للمهانة ، وعن الشرف المعرض للانتهاك ، وعن الشهامة المعرضة للمذلة .

بقي الرجال يحدوهم الأمل بنجدة الجيوش العربية والإسلامية للدفاع عن الوطن .

ولكن وا أسفاه !! لقد خاب الأمل ، وعبثاً كان طول الإنتظار .

فشعبٌ بلا قيادة ولا جيش ولا سلاح ، ولا تنظيم ولا تدريب ، كيف يمكن أن ينتصر على اليهود الذين يملكون جيشاً نظامياً لديه الطائرات والدبابات والآليات والمدافع والعربات ؟

وليلة الحادي عشر من حزيران عام 1948 . (ويا لها من ليلة!) بدأ اليهود عدوانهم على القرية بالقصف المدفعي تمهيداً للهجوم بالدبابات والآليات . قولوا لي بربكم ... كيف يمكن للبندقية أن تواجه الدبابة؟ وكيف يمكن لبندقية الصيد أن تواجه الملالة؟ وكيف يمكن للمسدس أن يواجه المصفحة؟ وكيف يمكن للخنجر أن يوجه المدفع؟ بل كيف يمكن للعصا أن تواجه الرشاش؟ وليس لهم نصير من العرب والمسلمين الذين يعدون بمئات الملايين؟ والدعاء وحده لا يكفي والأسف لا يجدي نفعاً . واللوم لا يفيد، والجرح بليغ وأليمُ جد أليم... سقطت القرية وخرج مَنُ فيها حقناً لدمائهم وحفاظاً على حياتهم من القتل المحقق ، وتشردوا في البلاد وكانت النكبة .

وكغيرهم من أهالي القرى والمدن الذين سبقوهم إلى لبنان ، توجهوا إليها لأنها أقرب البلاد إليهم ولهم فيها أنسباء ، وبقي أفراد منهم في كفرياسف . وبعد فترة اشتروا أرضاً بالقرب منها وأقاموا عليها بيوتاً، لأنهم ممنوع عليهم العودة إلى أرضهم المحتلة القريبة منهم .

بعد ذلك أقدم اليهود وأعوانهم على هدم القرية بما فيها الجامع ، ونقل الأعوان حجارتها للبناء في أماكن غيرها، وأبقوا على البيوت التي بنيت مؤخراً في الجهة الغربية لأنها حديثة البناء ومتباعدة وسكنها المستوطنون شذاذ الآفاق المستقدمون من أوروبا .

فيا كويكات ... أيتها البيوت المدمرة والأرض المحتلة يا قطعة من الأرض المباركة ، ويا شرياناً في جسم فلسطين ، لقد بلغ عدد أهلك سبعة آلاف نسمة تقريباً . قال تعالى : "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا فعُ الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمتْ صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصُرَن اللُه مَنْ ينصره إن الله لَقَوِيٌّ عزيز" . الآيتان  39 – 40 من صورة الحج .

 

 

للاشتراك في نشرة الاخبار