الحاج احمد محمد الخطيب

 

التشريد : آلام وعبر

لم يتعرض شعب من شعوب العالم لما تعرَّضَ له شعب فلسطين عام 1948 . لوم يعانِ من ويلات الظلم والتشريد مثل ما عاناه . فقد تعرضت فلسطين للإحتلال والقهر عدة مرات ، وقُتل من شعبها عشرات الآلاف ، غير أن السكان لم يغادروها ولم يُطردوا منها ، بل بقوا فيها، لأن الذين احتلوها لم يهدموها ولم يغتصبوها ، فمن الزحف المغولي إلى الاحتلال الصليبي إلى الحكم العثماني إلى الاستعمار البريطاني.

 

أما أن يحتل الوطن ، وتهدم البيوت ، وتغتصب الأرض ، وينكّل بالسكان ، ويضربون بسيف البطش والإرهاب وَتُراق الدماء وتزهق الأرواح ويطرد الشعب من أرضه بالقوة ليقال بعد ذلك  أرض بلا شعب ، لشعب بلا ارض !!!

 

فأي قانون هذا الذي يسري في الأرض ؟ وأية شريعة هذه التي يحكم بها؟ إنها أدنى درجة من شريعة الغاب ، التي يحكم فيها الظفر والناب "ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون " قرآن كريم.

 

وسنكتفي بنقل روايات بعض الذين شُرّدوا من أهل القرية كما وردت على ألسنتهم ، إنها تحكي المآسي التي تعرّض لها أهلنا منذ إخراجهم من مسقط رأسهم في فلسطين ، إلى محط رحالهم في لبنان ، إنها حقيقة وليست من نسج الخيال.

 

رواية الحاج أحمد محمد الخطيب :

ليلة 11 حزيران عام 1948 صادق الأول من شهر رمضان المبارك ، وقد كنا نائمين على سطح البيت ، وبعد منتصف الليل استيقظنا على أصوات مدافع الهاون ، فظننا أنه مدفع السحور  وإذا بالقذيقة تسقط على بيت كريّم عبد الله الشبلي تتبعها قذائف ، فنزلنا عن السطح وأنزلنا الفراش ، وكانت فَرَسُنا مربوطة خارج البيت ، فأدخلناها ووضعنا أمامها العلف والشعير لتأكل ، وتوجهنا لجهة الغرب إلى البيادر ، وإذا بالقوات اليهودية أمامنا وجهاً لوجه ، فلم يتعرضوا لنا ولم يطلعوا النار علينا ، بل تركونا نخرج بسلام وكنت مع ابي واختي وخالي علي شكري السيد ، وجدتي لوالدتي فاطمة أبو أيوب من الشيخ داوود التي قفزت عن السطح إلى الأرض ظناً منها أن المسافة قصيرة وتأثرت من القفزة ، فتحاملت على نفسها ، وخرجنا من القرية على أمل العودة بعد ساعات ، وتوجهنا إلى كفرياسيف عن طريق عين ميماس جنوباً ، وبعد وصولنا إليها قَرَّر أبي الذهاب إلى البِرُوة عند عمتي حليمة ، ولما وصلنا إلى مشارف القرية فوجئنا باحتلالها فتوجهنا إلى مجد الكروم ، وإذا بالمعركة دائرة رحاها في منطقة الليات القريبة منها  ، فجلسنا بين شجر الزيتون نراقب الوضع ، وشاهدَنا ضابطٌ من جيش الإنقاذ المشتبك مع القوات اليهودية فاستدعاني مع خالي علي ، ولما وصلنا إليه طلب منا إيصال الماء إلى قواته فوافقنا ، فما كان منه إلا أن وضع على ظهري وظهر خالي جالونين ماء وربطهما بحبلين وأمرنا أن نذهب زحفاً على بطوننا وَزَحَفُنا حتى وصلنا إلى القوات وأعطيناهم الجالونين والضابط برفقتنا ، وفي هذه المعركة ، انتصر جيش الإنقاذ ، وكان هناك حفرة عميقة لصنع الكلس ، وحثث قتلى الجيش اليهودي تغطي المنطقة ، طلب منا الضابط مساعدتهم بنقل الجثث إلى الحفرة ، فأخذنا نجرهم على الأرض ونلقيهم في الحفرة ، وأحصينا عددهم فكانوا 82 فتيلا ، بعد ذلك أمر الضابط سائق سيارة جيب عسكرية بإيصالنا إلى المكان الذي أتينا منه بين شجر الزيتون ، ولما وصلنا أخبرُنا أبي ومَنَ معه بالذي حصل معنا ، وبعد انسحاب جيش الإنقاذ من مجد الكروم ذهبنا إلى الرامة ، ومنها توجهنا إلى سحماتا ، وبوصولنا إليها ، شاهدنا أبو فوزي محمد سعيد العلي ، أحد أبناء قريتنا وكان قد وصل إليها قبلنا فجاء إلينا واطلعناه على ما جرى معنا فأخذ يبكي وهو يمشي أمامنا ، حتى ـوصلنا إلى الجامع لنبيت فيه ، وليس فيه سوى الحُصُر ، فنمنا على بعضها وجعلنا من بعضها غطاء. صباح اليوم التالي ، انطلقنا إلى دير القاسي ومنها إلى رميش أول بلدة داخل الحدود اللبنانية ، ومنها إلى ياطر على طريق وادي العيون ، ولما وصلنا ألى القرية ، جلسنا للراحة من التعب والجوع ، ثم أحضر والدي خبزاً من أحد البيوت ، وكان بالقرب منا حقل بصل أخضر فأخذنا نأكل خبزاً وبصلاً ثم انطلقنا إلى قانا ولما وصلناها أقمنا بين شجر الزيتون لمدة أسبوع ، ثم استأجرنا بيتاً صغيراً من صاحبه محمد جابر، وبعد إقامتنا فيه مدة عامين ، علمنا أن الأنروا أنشأت مخيماً للفلسطينيين في برج البراجنة ببيروت فانتقلنا إليه عام 1950 ولا نزال فيه إلى الآن ننتظر العودة ، وتركنا الفرس !!!

للاشتراك في نشرة الاخبار