من مفكرتي

من مفكرتي

بتاريخ 9 نيسان  عام 1948 ، ارتكب اليهود مذبحة دير ياسين ، التي ذهب ضحيتها 250 شخصاً ، 25 امرأة بقروا بطونهن بحرابهم ، 52 طفلاً مزقوا أجسادهم أمام أمهاتهم ، و60 امرأة وفتاة ، و 113 رجلاً . ارتكبوا هذه المذابح ، لإكراه عرب فلسطين على مغادرة ديارهم . وعندما أعلنت بريطانيا إنها ستنهي انتدابها على فلسطين يوم 15 أيار 1948 ، أعلنت جامعة الدول العربية أن الجيوش العربية ستدخل إلى فلسطين في نفس التاريخ لإنفقذ شعب فلسطين .

 

شاهد أهالي القرية سيارات الشحن تنقل العائلات والأطفال من المنطقة الجنوبية إلى لبنان مروراً بالقرية ، فخافوا على مصير النساء والأطفال من غدر اليهود ، وقرروا إخراجهم إلى كفر ياسيف وأبو سنان . هكذا خرجت مع والدتي وإخواتي ، وكلهن أصغر سناً مني ، فذهبنا إلى كفر ياسيف ، ونمنا ليلة بها ، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى أبو سنان بقينا فيها أربعة أيام ننتظر دخلو الجيوش العربية لحمايتنا وإنقاذ فلسطين ، وبرفقتنا جدتي وعائلة عمي خليل ، وزوجة عمي عبد الله ، بعد ذلك أحضر لنا ابن عمي عادل جميل العلي جملين ، وضع عل ظهر أحدهما بعض الفراش واللوزام الضرورية ، وعلى ظهر الثاني صحارتين (صندوقين) كبيرين ، وضع فيهما ثلاثاً من أخواتي وأحمد ابن عمي خليل ، وركبت مع علي 6 سنوات من خلفي ، ومحمود سنتان ممسك به من أمامي ، وتوجهنا إلى لبنان على طريق قرية جث الوعرة ، وأثناء السير مر الجمل بعقبة "درجة من حجرين كبيرين" حاول اجتيازها مرتين ، وفي الثالثة انقطع حزامه ووقعنا أرضا "ويالها من ساعة تجمّع علينا الناس ، وأنقذوا الأطفال من الصندوقين . أما أنا ، فإني عندما رأيت نفسي واقعاً عن ظهر الجمل ظننته الموت ، وبقيت ممسكاً بمحمود على صدري ليبقى حياً ، وأما علي فقد أغمي عليه ، وكنا على مقربة من بيت مختار القرية ، فنقلوه إلى ظل شجرة زيتون ، وأحضروا ماء من البيت صبوه على رأسه ووجهه فأفاق من الغيبوبة ، وأبى المختار إلا أن ننام تلك الليلة في ضيافته ، وفي اليوم التالي تابعنا سيرنا على سحماتا ثم دير القاسي ، ومنها إلى بلدة رميش داخل الحدود اللبنانية بتنا فيها ليلة واحدة . صباح اليوم التالي ، استأجروا لنا سيارة شحن نقلتنا إلى قرية العباسية في قضاء صور ، حيث سكن أنسباء علي النابلسي أحد أبناء قريتنا ، وسكنا في بيت علي ياسين شقيق الشيخ خليل ياسين ، بعد ذلك لحق بنا أبي وعمّاي خليل وعبد الله . أقمنا في العباسية سيع سنوات ننتقل من بيت إلى آخر.

بعد زواجي بأربعة أشهر انتقلت في شهر أيلول عام 1955 إلى مخيم برج البراجنة في بيروت.

 

واقع المخيم :

الأرض رمليه ، وأثناء المشي يتطاير الرمل من الخلف . وجدتُ أكثر سكانه وخاصة النساء يلبسون بأرجلهم قباقيب خشبية ؛ الخبز على وقادة ، والوقود ورق الصنوبر الجاف (الجعفور) تأتي به النساء من حرج الصنوبر القريب من المخيم يحملنه على رؤوسهن ويضعنه أكواماً بجانب الخيم والتخاشيب ، ويعشش فيها الفئران والجرذان التي تسرح ليلاً ، إلى جانب حشرات البق المؤذية .. المراحيض التي أعدتها وكالة الأنروا مشتركة ، للرجال ناحية وللنساء الناحية المقابلة ، وليس لها أبواب ، يذهب الرجل لقضاء حاجته ويقف على المدخل ويقول في ؟ يعني هل بداخله أحد ، فإذا كان بداخله أحد تنحنح ، فيبقى الثاني منتظراً حتى يخرج الأول ، والنساء كذلك .. وكثيراً ما كان يدخل الرجل على المراة وبالعكس عن طريق الخطأ ، وحين قضاء الحاجة يسمعون ... بعضهم البعض ناهيك عن جيش الذباب المتواجد بداخلها ، وعلى الرغم من هذه الحالة المزرية من العيش ، كان ممنوعاً على الفلسطيني أن يدق مسماراً يثبت به خشبةً أفلتت من مكانها ، أو أن يبني مدماكاً من الحجارة حول أساس الخيمة التي تكشفها الريح ، وفي أحد الأيام هبت ريح شديدة وغمر الرمل بيت الحاج أحمد سعيد الصالح ، مما استدعى نجدة الجيران والأقارب لإنقاذ الأمتعة من التلف .. بعد ذلك انتقل إلى مكان آخر ، وأنشأ فه بيتاً جديداً على نفقته بعدما طلب منه الدرك مع كثيرين غيره كانت بيوتهم قرب مدرسة المهنية العاملية الانتقال إلى أماكن اخرى ضمن المخيم إلى جانب ذلك كانت تحصل مشاكل بين السكان بسبب شربة الماء ، فقد وزعت الأنروا حنفيات الماء على مناطق المخيم وكانت لا تكفي حاجتهم .. اتفقت النساء فيما بينهن على التعبئة بالدور ، فكانت المراة تأتي بأكثر من وعاء كي تضمن تعبئتها عندما يأتي دورها . فكنت ترى الصف من صفائح التنك بطول عدة أمتار . لم يكن في المخيم مجارير لجر المياه الآسنة إلى مجرور الشارع العام بجانب المخيم وإذا اغتسل اصحاب وجرى الماء إلى الخارج يأتي المكلفون الدرك والشبعة الثانية لكتابة محضر مخالفة بحقهم .

كذلك لم يكن في المخيم شبكة كهرباء وكانت السكان يستعملون السُرج ثم قام أفراد من المخيم بمد خطوط تجارية على أساس اللامبة الواحدة بسعر محدد ، والزيادة تستوجب زيادة السعر ، زد على ذلك ما يعانيه شعبنا حين توزيع الأعاشة من الأنروا ، ترى التزاحم في طوابير الذل والمهانة ، للحصول على فئات لا قيمة له أمام هدر كرامة الإنسان وإهانته حتى أدمنوا على ذلك ثم تآمروا على قطع الأعاشة إلا عن بعض الحالات التي صنّفوها حسب أهوائهم ووصفوها بالصعبة .. وقلّصت الأنروا جميع خدماتها حتى انتفت عنها أو كادت الصفة التي أنشئت لأجلها وهي اغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .

والجدير بالذكر أن بعض كبار الموظفين العرب متواطئون على مصلحة شعبهم ، ولا يهمهم إلا أنفسهم ، تراهم يتقربون من المدراء الأجانب بشتى الوسائل ، حتى على موائد الخمر في الحفلات التي تقام على حساب شعبنا في المناسبات .

وهذا الذي ذكرته غيض من قيض ، لتطلع عليه أجيالنا وتعرف بعض مآسينا التي عشناها ، ولا نزال نعاني منها حتى الآن .

للاشتراك في نشرة الاخبار