الخاتمة

في بداية عام 1977 ، عدت إلى قريتنا كويكات زائراً ، بعد 29 عاماً من الغياب القسري ، وشاهدت آثار البيوت المدمرة اكواماً من الركام ، منتشرة بين حرج من الصنوبر غرسه اليهود بعد هدمها، انتابني شعور لا استطيع أن أعبر عنه بالكلام ، لأنه ابلغ من الكلام . لقد ظننت نفسي الأول وهلة أني في حلم لكنها كانت حقيقة لا منام شهرت بأن الأرض توبخني وتعنفني والبيت يخاطبني ويعاتبني ، وأغصان الشجر تتمايل يميناً وشمالاً . ولم أدر إذا كانت تتمايل طرباً وترحيباً بقدومي أم استهزاء بي وإستنكاراً لإني اتيت إليها زائراً لا محرراً .

لم يكن قصدي من خلال هذه السطور أن أوفي فلسطين حقها بكتابة تاريخها ، فكتب التاريخ والمراجع كثيرة ، فيها التفاصيل الوافية ضمن مجلدات في المكتبات والمؤسسات وبيوت المهتمين بالقضية الفلسطينية . ولكن : لكي لا تنسى أجيالنا الأرض التي تضم ركاماً ، لتبقى حية في ذوات نفوسهم ، وفي نبضات قلوبهم وفي ذاكرة عقولهم ولعلموا مع العاملين من أجل تحريرها ، والعودة إليها مكرمين ، ولأطلعهم بعد زيارتي تلك على مشاهداتي وانطباعاتي التي كنت أحتفظ بها لنفسي ، وكيف كان إحساسي وشعوري ولأبثّهم لواعج حسرتي على وطن اغتصب مِنا بالقوة ، وأسفي على أمةٍ ذلت واستكانت أمام شذّاذ الآفاق من اليهود ، وَرَضِيَتُ بتشتيتنا في شتى أصقاع العمورة ، وكذلك حسرة وأسف كل من ولد فيها وترعرع في ربوعها ، لأننا عندما نلتقي مع كبار السن ونذكر ولا أقول نتذكر كويكات الارض والبيوت ، نذكر الجامع المدرسة والدكاكين والمضافات والدواوين والحارات والأحياء ، والازقة ، والطرقات نذكر الحركة المستمرة من طلوع الفجر الى قوت النوم ليلاً بالمتوجهون إلى الجامع للصلاة وطلاب المدارس ذاهبون إليها لتلقي العلوم والقلاحون يصطحبون أعواد  الحراثة والبذار لحرث الأرض وزراعتها ، وأصحاب الشجر يقطفون ثمارها في المواسم ، والصبايا يحملن جرار الفخّار على رؤوسهم لإحضار الماء من العين إلى البيوت ، ونذكر ونذكر إلى آخر القائمة ، بل نذكر فلسطين القرى والمدن والمناطق والسكان .

 

فهي الأرض التي باركها الله تعالى في القرآن الكريم.

وهي سرّة الأرض ونقطة التقائها بالسماء.

ومهبط الرسالات السماوية.

وأرض المحشر والمنشر.

وأرض الأنبياء والصحابة والأولياء .

أقصاها أولى القبلتين.

وثالث الحريمن الشريفين.

إليه يشدّ المسلمون الرِّحال.

والصلاة فيه بخمسمائة صلاة.

إليه كان الإسراء بخاتم الأنبياء والمرسلين.

وفيه التقى بهم بقدرة الملك الجليل.

من فوق صخرية عرج بصحبة الملك جبريل.

ومن فوقها ينفخ في الصور الملك إسرافيل .

فلسطين أرضنا ورثناها عن الأجداد والآباء

فلسطين القدس الشريف قلبها

وكويكات أحد شرايينها.

خريطتها مرسومة على صفحات قلوبنا وإن عَزّت الخرائط.

ورسمها في ذاكرتنا وإن درست الرسوم.

في الختام ، فإني أعتذر عن كل سهو أو خطأ أو معلومة لم تذكر .

وقد كان إعداد هذا الكتاب تجربة عشت فيها مع القرية التي ولدت فيها ، ونبت لحمي من خيرات أرضها ونمت عروقي من ثمار شجرها وتكحّلت عيناي برؤيتها ، وترعرعت في حضنها ، وتنقلت بين أحيائها ، وسرت في طرقاتها ، ولعبت مع أترابي في حاراتها وعلى بيادرها.

 

ذهبت إلى الجامع مع المصلين ، وإلى المدرسة مع المتعلمين ، حضرت حفلات الأعراس ، وشاهدت حلقات الدبكة وصفّ السحجة والحداء ، وسمعت أهازيج الرجال وغناء النساء ، والذكريات كثيرة وخلوت بنفسي أذكر الشيوخ من أهل قريتنا ، الذين غيبهم الموت واحداً تلو الآخر ، افتقدتهم في الجامع وفي المناسبات العامة التي تجمعنا والخاصة التي تضمنا ، فقلت : وأنا غداً سألحق بهم ، لأني أسير على نفس الطريق ، سُنة الله في خلقه ، وأقدمت على هذا العمل متوكلاً على الله تعالى ، لتعلم اجيالنا أننا لسنا مجرد لاجئين مشتيين في أرجاء الأرض ، بل نحن أصحاب بيوت وجامع وأرض ووطن، على الرغم من هدم البيوت ونهب حجارة الجامع ، واغتصاب الأرض ، واحتلال الوطن .

 

إن اليهود يؤكدون بعملهم هذا أن معركتنا معهم معركة دينية ثقافية حضارية فقد أقدموا على هدم البيوت القديمة ، المبنية بالعقود . والقناطر الأثرية ، وأبقوا على البيوت الحديثة البناء في الجهة الغربية فلا بد لنا من توثيق تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا ، كجزء من تاريخنا ، وأن نصمد في المعركة الثقافية والحضارية التي فرضت علينا .

 

وبعد الإنتهاء منه فإني أحمد الله تعالى ، الذي أعانني على إتمامه كي لا تموت ذاكرة القرية بموت أبنائها الذين ولدوا وترعرعوا فيها.

من أجل ذلك كانت هذه السطور ، التي آمل من خلالها ، أن أكون قد وفيت قريتنا كويكات، جزءاً يسيراً من الدين المترتب علينا كأبناء لهذه القرية .

للاشتراك في نشرة الاخبار