تكوين الشعب الفلسطيني

تكوين شعب فلسطين:

تدل آثار الإنسان القديم في حفريات شقبة في وادي النطوف أن سكان فلسطين في عصور ما قبل التاريخ هم من العرق الذي يسمى عرق البحر المتوسط. ومنذ 3000 ق.م أخذت الهجرات السامية تتوالى على فلسطين من الجزيرة العربية حتى غلب عليها العنصر السامي، فنـزل الكنعانيون فلسطين حوالي 2500 ق.م. وفي 1500ق.م جاءت هجرة سامية من القبائل المآبية والإيدومية والعمونية، واستقرت جنوبي سوريا في الإقليم الممتد بين البحر الميت وخليج العقبة، ثم جاءت هجرة سامية ثالثة بالأنباط الذين استقروا في بلاد الشام نحو 500 ق.م.

 

ومن جهة أخرى هاجرت إلى فلسطين نحو 1200 ق.م أقوام بحرية من غربي أسيا الصغرى وجزر بحر إيجة استقرت على ساحل فلسطين، وعُرفت باسم "بلست PLST"وسرعان ما اندمجت وذابت في الكنعانيين. أما بنو إسرائيل فقد حاولوا دخول فلسطين تحت قيادة موسى عليه السلام أواخر القرن الثاني عشر (حوالي 1230ق.م)، ثم إنهم استقروا بعد ذلك في أجزاء من شمال شرقي فلسطين، غير أن سقوط دولتهم إسرائيل سنة 721 ق.م أدى إلى هجرة عشرة من قبائلهم الإثني عشر، كما أن السبي البابلي بعد ذلك سنة 597 ق.م وسنة 586 ق.م قد أخذ أعداداً ضخمة من اليهود إلى العراق، حيث تضاءل شأن اليهود وعددهم في فلسطين. وقد كان لهم بعض الازدهار بعد ذلك، عندما حققوا حكماً ذاتياً بزعامة الأسرة المكابية (164 ـ 37 ق.م)، وذلك تحت الهيمنة الإغريقية ثم الرومانية، ولكن لم يعد لهم شأن يذكر منذ القرن الثاني للميلاد (بعد 135م).

 

وكان لليمنيين من السبئيين والمعينيين جاليات كبيرة في الواحات التي تمر بها الطرق التجارية في بلاد الشام منذ الألف الأول قبل الميلاد. ومن القبائل العربية الأولى الشهيرة التي استقرت بأرض الشام ومنها فلسطين قبيلة قضاعة التي تنصرت فيما بعد، وولاها ملوك الروم على عرب بلاد الشام. ثم وردت قبيلة سليح فحلت مكانها. ثم إن بني غسان "الغساسنة" هاجروا من اليمن أواخر القرن الثالث الميلادي، فاستقروا شمال الحجاز، ثم انتقلوا للشام، واعترف لهم البيزنطيون بنوع من السيادة، وأقاموا دولة حاجزة بين الروم والفرس، وامتدت سلطتهم على القبائل العربية في فلسطين، واستمر ملكهم حتى حوالي سنة 584 م حيث بدأ انهيارهم عندما خاصموا الروم. وحين غزا الفرس الشام 613م قضوا على آخر نفوذ للغساسنة، وكان هذا بُعيد نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، وبدء انتشار الإسلام.

 

وقد شهدت بلاد الشام ثلاثة كيانات عربية قبل الإسلام، فظهر الأنباط في الجنوب، وظهرت تدمر في الشمال، والغساسنة بينهما. أما تدمر فلم يصل نفوذها إلى فلسطين، وأما الأنباط فقد تمركزوا في البتراء شرق الأردن، وسرعان ما وسَّعوا نفوذهم، وأسسوا لأنفسهم مملكة رأسها الحارث الأول منذ 169 ق.م. وفي أوج ازدهارهم شملت دولتهم الأقسام الشرقية والجنوبية من فلسطين وحوران وإيدوم ومدين وسواحل البحر الأحمر، وباتت دولتهم تحيط بمنطقة المكابيين (اليهود) من ثلاث جهات على عهد الحارث الثاني والثالث. غير أن دولتهم ما لبثت أن سقطت في نهاية القرن الأول الميلادي على يد الرومان.

 

وبعد الفتح الإسلامي انتشرت القبائل العربية في فلسطين، وامتزجت بمن سبقها من كنعانيين وغيرهم، وحدثت حركة أسلمة وتعريب تدريجية وطبيعية تحت راية الحكم الإسلامي، حتى أصبح دين أهل فلسطين الإسلام ولسانهم العربية. وبشكل عام، فإن غالبية من استقر من العرب في فلسطين هم من القحطانية أي من العرب العاربة، أي من القبائل العربية التي ترجع إلى أصول يمنية، فقد كانت معظم جيوش الفتح الإسلامي من هذه القبائل. فنـزل مثلاً قوم من الأشعريين طبرية وغلبوا عليها، ونزل بعضُ أفخاذ جذام في بيت جبرين، وفيما يلي طبرية من أرض، وسكن أقوام من بكر بن وائل جنين وآخرون من مضر بن نزار في نابلس. وفي منطقة الخليل وما حولها كانت قد استقرت لخم، وبطن من بني عبد الدار وهم رهط تميم الداري رضي الله عنه. ومن أهم قبائل العرب العاربة حِمْيَر التي ينسب جل أفرادها إلى قبيلة قضاعة، والتي انتشرت بطونها في قرى البطاني (غزة)، وجماعين (نابلس)، ووادي حنين (يافا)، وغيرها. ومن بطون قضاعة التي انتشرت في فلسطين، قبائل كلب وبلي وجهينة وجرم وقدامة وبنو بهراء وبنو عذرة والقين و مسكة. ومن العرب العاربة قبائل بنو كهلان، ومن أهمها طيء التي تعرف اليوم باسم "شمر"، ولخم وزُبيد والأوس والخزرج، وكلها انتشرت في أماكن مختلفة من فلسطين. وهناك أعداد من عرب شمال الجزيرة العربية الذين يعرفون ببني عدنان أو بني إسماعيل أو العرب المستعربة، وإليها تنسب قريش التي جاء العديد من عائلاتها إلى فلسطين من نسل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وغيرهم من الصحابة، وهناك كذلك قبيلة عَنْـزَة، وحرب وغيرها.

 

وظل شعب فلسطين مسلماً عربي اللسان منذ الفتح الإسلامي وإلى وقتنا هذا. ولم تؤثر فترة الحروب الصليبية في تركيبة السكان إلا قليلاً عندما غزاها صليبيو أوروبا، فسرعان ما استوعب المسلمون هذه الهجمة وأعادوا للأرض هويتها المسلمة. وقد ظلت فلسطين منطقة جذب سكاني لمكانتها المقدسة ولموقعها الجغرافي ولمناخها المعتدل وإمكانات الزراعة والتجارة وغيرها، فاستقر بها بعض المسلمين من الأكراد والبربر والشيشان والبوسنة والأتراك حيث تعربوا وامتزجوا بأهلها، وظلت في فلسطين أقلية نصرانية تعيش بسلام وطمأنينة في ظل حكم المسلمين، وكان من نصارى فلسطين أولئك الذي ظلوا على دينهم من أهل البلد، ومن استقر من النصارى فيما بعد ممن رغبوا في السكن في الأرض المقدسة، من أرمن ويونان وغيرهم. كما اتسع التسامح الإسلامي لسكن اليهود واستقرارهم، بوصفهم أهل ذمة، فعاشت أقلية ضئيلة منهم دون طموحات سياسية، وكانوا في بداية القرن التاسع عشر لا يتجاوزون الخمسة آلاف. ووصل عددهم قبيل بداية البرنامج العملي النَّشِط للهجرة الصهيونية أي حوالي 1880م إلى 23 ألفاً تقريباً.

 

وعندما احتل البريطانيون فلسطين عام 1918 كان عدد سكان فلسطين نحواً من 665 ألف نسمة منهم حوالي 550 ألف مسلم، والنصارى حوالي 60 ألفاً، واليهود 55 ألفاً. أي أن العرب كانوا نحو 91.73% من السكان، بينما كان اليهود 8.27% وكانت غالبية هؤلاء اليهود من المهاجرين الغرباء القادمين من روسيا وشرق أوروبا خلال السنوات الأربعين السابقة.

 

وتحت الاحتلال البريطاني، الذي تعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، تم فتح أبواب الهجرة والاستيطان على مصراعيها لليهود حيث هاجر في الفترة 1919 ـ 1948 نحو 483 ألف يهودي. ولكن حتى صدور قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 فإن العرب ظلوا أغلبية السكان. فحسب المعلومات التي ذكرتها لجنة الأمم المتحدة التي أوصت بالتقسيم فإن عدد السكان العرب بلغ مليوناً و 237 ألفاً و 374 شخصاً (67.05%) وبلغ عدد السكان اليهود 608 آلاف و 225 شخصاً (32.95%) وهي أرقام تستند إلى الإحصائيات البريطانية لسنة 1946.

 

لقد حاول قرار الأمم المتحدة الظالم بتقسيم فلسطين أن يضفي شرعية على إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وكان من أبرز أوجه الظلم التي انبنت على هذا القرار تمزيق شعب فلسطين وتشريده. ففي المنطقة التي قضى التقسيم إعطاءها لليهود (54% من الأرض) كان يعيش 498 ألف يهودي و 497 ألف عربي، وفي المنطقة التي قضى بإعطائها للعرب (45% من الأرض) كان يعيش 725 ألف عربي و 10 آلاف يهودي فقط، بينما تقرر وضع منطقة القدس (1% من الأرض) تحت إشراف دولي حيث يسكنها 105 آلاف عربي، و 100 ألف يهودي. وحسب دراسة إحصائية دقيقة قامت بها جانيت أبو لغد فإن عدد الفلسطينيين العرب في نهاية سنة 1948 كان مليوناً و 398 ألفاً، أما تقديرات سلمان أبو ستة للسنة نفسها فهي مليون و 441 ألفاً.

 

ولأن اليهود كانوا قد تجهزوا تماماً للحرب بدعم من القوى الكبرى لفرض قرار التقسيم، بل وتوسيع كيانهم وطرد أبناء فلسطين من الأرض التي يسكنون عليها، فقد تسببت حرب فلسطين 1948 بمأساة كبرى لشعب فلسطين، فحسب إحصاءات الأمم المتحدة تم تشريد 726 ألف فلسطيني من أرضهم، وزادت التقديرات بعد ذلك إلى نحو 900 ألف لاجئ، أي أن نحواً من ثلثي شعب فلسطين قد طردوا من أرضهم، حيث قام اليهود الصهاينة بأحد أبشع حالات التطهير العرقي في التاريخ الحديث. ثم قاموا بإحلال اليهود من شتى الأجناس والألوان مكان أبناء البلاد الأصليين، وفي العام 1967 احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وغزة) وشردوا 330 ألف فلسطيني آخرين. ومنعت القوات الصهيونية ولا تزال تمنع الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم، وبذلك ظلت أعداد هائلة من الفلسطينيين تزيد عن نصف العدد الكلي لاجئةً خارج فلسطين.

وهكذا توزع شعب فلسطين( الذي بلغ عدده سنة 2002 حوالي 9 ملايين و 554 ألفاً) على ثلاث تقسيمات جغرافية، هي:

 

- أرض فلسطين المحتلة سنة 1948 (حوالي مليون و 239ألفاً في سنة 2002، أي نحو 12.97% من الفلسطينيين).

 

- أرض فلسطين المحتلة سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية (حوالي ثلاثة ملايين و 485 ألفاً في سنة 2002، أي 36.48% من الفلسطينيين).

 

- الفلسطينيون خارج فلسطين (حوالي أربعة ملايين و830 ألفاً في سنة 2002أي 50.55% من الفلسطينيين).

 

ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين من أصعب المشاكل الإنسانية في التاريخ الحديث، وأصحابها هم الأكثر عدداً والأطول معاناة بين لاجئي العالم منذ سنة 1948. ومع ذلك حال التواطؤ الدولي للقوى الكبرى وخصوصاً الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني دون عودتهم إلى أرضهم، رغم صدور العشرات من قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حقهم في العودة.

 

 

للاشتراك في نشرة الاخبار